
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
سوريا وألمانيا وقصة النهوض من تحت الأنقاض اليوم الأربعاء 8 أبريل 2026 03:45
وألمانيا التي مزقتها الحروب الطائفية في القرن السابع عشر، ثم احتلها نابليون، ثم خاضت حروب التوحيد، خرجت من هذه التجارب بحدود جديدة فضلا عن فلسفات غيرت العالم: هيجل، فيبر، كلاوزفيتز.
هذا التحول العميق في الوعي الألماني هو ما يعيدني دائمًا إلى التاريخ الألماني.
لقد حددت هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى حدود العالم العربي، وساهمت المحرقة اليهودية في تأسيس إسرائيل، ولا تزال سياسة ألمانيا في التعامل مع الشرق الأوسط محكومة حتى اليوم بذاكرة دائمة الحضور.
مع استقبال ألمانيا أكثر من مليون سوري منذ عام 2015، لم تكن تستقبل اللاجئين فحسب، بل كانت أيضًا مرآة جديدة لضميرها. على مر السنين، أصبح السوريون جزءًا من اقتصادها ومجتمعها: أطباء ومهندسون وطلاب وأصحاب أعمال وعمال في القطاعات التي تواجه نقصًا حادًا في العمالة. لقد تحول الوجود السوري من حالة الطوارئ إلى قوة جبارة؛ لدرجة أن بعض المدن الألمانية بدأت تشعر بأن غياب السوريين سيترك فراغاً يصعب ملؤه.
وهنا يبدأ سؤال جديد في الظهور: كيف يمكن لألمانيا أن تجمع بين مسؤوليتها الأخلاقية تجاه اللاجئين، وحاجتها الاقتصادية لهم، ورغبتها السياسية في دعم استقرار سوريا؟
وفي هذا السياق جاءت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا. ولم تكن الزيارة مجرد اتصالات رسمية، بل كانت إعادة تنظيم للعلاقات بين البلدين الذين جمعتهما الحرب وفصلهما المستقبل.
ألمانيا التي استقبلت السوريين وقت الانهيار، تستضيف اليوم الرئيس في وقت إعادة الإعمار. لقد أصبح السوريون الذين لجأوا إلى ألمانيا اليوم بمثابة جسر سياسي واقتصادي بين البلدين. وكانت الرسالة واضحة: تريد ألمانيا الانتقال من دور اللاجئ إلى دور الشريك. شريك في إعادة الإعمار، وشريك في عودة اللاجئين، وشريك في تشكيل مرحلة جديدة في الشرق الأوسط.
إن العلاقة بين ألمانيا وسوريا اليوم ليست مجرد صفحة جديدة في كتاب الدبلوماسية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة البلدين على التعلم من تاريخهما وتجاوز عقود من الزمن وخلق سياسات لا تحكمها الذاكرة أو المصالح فقط.
ويبدو أن ألمانيا، التي دفعت ثمناً باهظاً لأخطائها الماضية، لديها اليوم فرصة نادرة: أن تكون جزءاً من إعادة إعمار بلد دمرته الحرب وأن تتحول من شاهدة على المأساة إلى شريك في خلق الأمل.
وسوريا التي حمل أبناؤها جراحهم إلى شوارع برلين وهامبورغ وميونيخ، تواجه لحظة تستعيد فيها دورها وكرامتها، وتعيد ربط ما انقطع عن العالم. الذين يعيشون بين لغتين وثقافتين وذاكرتين، يشكل السوريون في ألمانيا جسراً حيث يتقاطع المستقبل بين الجانبين.
في عالم مضطرب حيث تتصادم الأخلاق والمصالح، يبدو أن ألمانيا تعود إلى سؤالها القديم: كيف يمكن لدولة أن تكون قوية من دون أن تفقد إنسانيتها؟ وتعود سوريا إلى سؤالها الأعمق: كيف يمكن لشعبها أن يخرج من تحت الأنقاض دون أن يفقد حقه في الحياة والكرامة؟
بين هذين السؤالين، تُكتب اليوم قصة جديدة، ليست ألمانية أو سورية فحسب، بل قصة إنسانية تقول إن التاريخ لا ينتهي بالهزائم، بل يبدأ بالطريقة التي ننهض بها بعد الهزائم.