
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
الذكاء الاصطناعي وتصنيف الجامعات اليوم السبت 9 مايو 2026 الساعة 22:53
ويدخل الذكاء الاصطناعي في تصنيف الجامعات، كما يدخل مجالات أخرى… ليس كحل سحري، بل كقوة تحويلية مزدوجة: قادرة على تعميق مشاكل القياس القائمة عندما تستخدم دون وعي، وقادرة على التغلب عليها عندما تستخدم بذكاء. ومن حيث القدرات، يتيح الذكاء الاصطناعي أيضًا تحليل التأثير الحقيقي لإنتاج الأبحاث بدلاً من مجرد حساب حجمه، حيث يمكنه تتبع كيفية تقدم الأفكار من الأوراق البحثية إلى السياسات والصناعات والمجتمعات. ويمكنه أيضًا اكتشاف أنماط “تضخم البحث” (أي الإنتاج الذي يكرر ما هو معروف في صيغ مختلفة) وتمييزه عن المساهمات الأصلية. يعتقد بعض الباحثين أن أنظمة تحليل اللغة المتقدمة يمكنها الآن تقييم جودة التجربة التعليمية من خلال تحليل نتائج تعلم الطلاب بمرور الوقت، بما يتجاوز درجات الاختبار إلى مؤشرات التفكير النقدي والقدرة التحليلية. لكن هذه الإمكانات تصاحبها مخاطر موازية. وتعكس أنظمة الذكاء الاصطناعي تحيزات البيانات التعليمية في نتائجها، وإذا كانت نماذج التقييم مبنية على بيانات تاريخية تفضل أنواعا معينة من الجامعات، فإن النتيجة ستعزز هذا التفضيل بدلا من تصحيحه. ومن أبرز ما يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيله في هذا المشهد هو إمكانية كسر الاحتكار المنهجي الذي تسيطر عليه شركات التصنيف الكبيرة؛ لأن الجامعات والحكومات يمكنها الآن إنشاء نماذج تقييم مستقلة تعكس أولوياتها وسياقاتها الخاصة، دون الاضطرار إلى الخضوع لمعايير جاهزة مستوردة من سياقات مختلفة.
وفي خضم الجدل الدائر حول التصنيفات والتكنولوجيا، يظل الاعتماد الأكاديمي هو الجانب الأقل جاذبية والأكثر مرونة في نظام ضمان جودة التعليم العالي. لا يهدف الاعتماد إلى تصنيف الجامعات على مقياس ترتيبي؛ وبدلا من ذلك، تهدف إلى التحقق من أن كل مؤسسة تستوفي معايير الجودة المطلوبة في برامجها وموظفيها وهيكلها المؤسسي وآليات المحاسبة الداخلية. الفرق بين التصنيف والاعتماد هو فرق معرفي وليس تقني: فالتصنيف يسأل أين تقع هذه الجامعة على المقياس، بينما الاعتماد يسأل: هل تقوم هذه الجامعة بما يفترض أن تفعله؟ والسؤال الثاني أعمق وأقرب إلى جوهر العملية التعليمية. لكن الاعتماد بشكله الحالي يعاني من قيود تقليدية لأنه يعتمد على دورات مراجعة عن بعد يمكن أن تفصل بينها سنوات عندما تتغير ظروف المؤسسة بشكل جذري. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحول الاعتماد من لقطة دورية إلى متابعة مستمرة تعتمد على مؤشرات حية تشكل صورة تراكمية متجددة للمؤسسة، بدلا من التقارير الرسمية المعدة لهذه المناسبة.
ولا يمكن النظر إلى هذه القضايا بمعزل عن السياق الإقليمي الذي تعمل فيه بعض الجامعات، والتي تواجه معضلة مزدوجة: ضغط التصنيفات الدولية المصممة في سياقات ثقافية واقتصادية مختلفة، وغياب البدائل الإقليمية الراسخة والموثوقة. ويتم هنا تسليط الضوء على الدور المحتمل لمؤسسات مثل مكتب التعليم العربي لدول الخليج وهيئات الاعتماد الوطنية في مختلف البلدان العربية. إلا أن هذا الدور يتطلب رؤية استراتيجية واضحة، وليس مجرد استيراد المعايير الجاهزة وترجمتها إلى اللغة العربية. والأسئلة الرئيسية التي ينبغي أن توجه هذه الرؤية هي: ما هو نموذج التنمية الذي تحاول مجتمعاتنا بناءه؟ وما دور الجامعة في المساهمة في إحياء هذا النموذج؟ كيف نصمم أدوات قياس تعبر عن هذه المشاعر بدلاً من أن تتعارض معها؟ إن إنشاء نموذج تقييم عربي يعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة سيادية. وبوجود أدوات القياس، يصبح لدى المرء في نهاية المطاف القدرة على تحديد النجاح وتحديد اتجاهات الاستثمار في رأس المال البشري.
التقييمات ليست شرًا مطلقًا، كما أنها ليست خيرًا خالصًا. إنها أدوات بشرية تحمل عيوب صانعيها وتحيزات سياقها، والحكمة في التعامل معها تكمن في التمييز الدقيق بين ما تقيسه وما تدعي أنه تقيسه، وبين ما نستخدمها من أجله وما لا ينبغي أن نستخدمها من أجله. فالجامعة التي تعيد تعريف رسالتها استجابة لمتطلبات التصنيف تفقد شيئاً من روحها، حتى لو ارتقت في التصنيف، والجامعة التي لا تبصر التقييم والمقارنة تخاطر بالانفصال عن البيئة المعرفية. المطلوب إذن ليس الاختيار بين خيارين، بل بناء النضج المؤسسي الذي يمكننا من الاستفادة من أدوات التقييم دون استسلام. وفي ضوء الذكاء الاصطناعي، والبيانات المفتوحة، وزيادة القدرات التحليلية، هناك فرصة تاريخية لإعادة تعريف ما نعنيه بـ “الجامعة الناجحة”. وهي فرصة لا يمكن تحقيقها تلقائيا، بل تتطلب إرادة سياسية وأكاديمية وثقافية لوضع معايير تعبر عن الطموحات الوطنية، وليس طموحات الآخرين.
الجامعة في الحقيقة مشروع حضاري يساهم في بناء الإنسانية، وهذا المشروع الكبير لا يمكن اختزاله في رقم حسابي في جدول تصنيف الجامعة.