
تعتبر المدرسة البيئة المثالية بعد المنزل لتنمية شخصية الإنسان وإعداده لتحمل المسؤولية والاعتماد على الذات والانضباط والتعاون مع الآخرين واستغلال إمكاناته في خدمة الدول والمجتمعات من خلال إكساب الطلاب المهارات من خلال مناهج منظمة وتنمية مهارات التفكير والإبداع لحل المشكلات. وهنا نتذكر ما قاله الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو عن أهمية المدارس ووضع الطلاب فيها: “من يفتح باب المدرسة يغلق باب السجن”.
وبينما تواصل وزارة التربية الوطنية خططها السنوية لفتح مدارس جديدة وفقا لرسالتها ودورها الأساسي، لا يزال هناك قلق مقلق في البيئة التعليمية يتمثل في عشرات المباني المدرسية المهجورة التي تحولت من مباني تعليمية إلى “مساكن أشباح” على مر السنين. وهي أراض حيوية «يدمرها الإهمال وغياب الحلول، حتى تتحول إلى مراكز خطيرة على الأمن والبيئة والمجتمع».
مطالبات بمعالجة هذه الظاهرة وتحويل معاناة الأراضي الشاغرة في المناطق إلى أماكن تعج بالحياة
لم تتوقف مطالب الكثير من سكان المناطق التي توجد بها المدارس المهجورة، وللمهتمين بمتابعة ملف المدرسة، تتزايد المطالب بإنهاء هذا الملف العالق وتحويل الأراضي الحزينة الفارغة في المناطق إلى أماكن مفعمة بالحياة.
وحل المشكلة يبدأ بمعرفة الأسباب الجذرية التي تؤدي إلى إغلاق هذه المدارس وإهمالها. وبعد دراسة متأنية لملف المنشآت التعليمية المهجورة، تبين أن هجر هذه المباني والمنشآت التعليمية والتربوية قد حدث نتيجة تراكم عدة أسباب جذرية؛ وأهمها أن العمر الإنتاجي للعديد من هذه المدارس انخفض بسبب تدهور بنيتها الهيكلية ومعاناتها من تشققات خطيرة، حيث وجدت وزارة التربية والتعليم أن تكلفة الترميم تفوق تكلفة الهدم وإعادة الإعمار.
ثم يأتي ما يسمى بالتحولات الديموغرافية، حيث تؤدي هجرة السكان من المناطق القديمة إلى المستوطنات الجديدة إلى انخفاض حاد في أعداد الطلاب في بعض المناطق، وهو ما يدفع بدوره «التعليم» إلى دمج الفصول وإغلاق المباني الأصلية. كما تلعب البيروقراطية وصراع التخصيص دورا كبيرا في تأخير استعمال المدارس، خاصة عندما تتعرض العديد من المباني للصراعات الإدارية بين وزارات التربية الوطنية والمالية والبلدية، مما يبقي المبنى معلقا دون استخدام لسنوات، كما أن تصميمات هذه المدارس لا تتوافق مع التصاميم الحديثة، وتشكل المباني القديمة عائقا أمام تطبيق معايير المدارس الذكية والمختبرات المتقدمة، مما يحرمها من الخدمات التعليمية وبحاجة إلى تطوير يواكب التكنولوجيا.
المخاطر الأمنية والاجتماعية
وبالحديث عن مخاطر هذه المدارس، فإن مواقع هذه المدارس لم تعد مجرد وسيلة لإهدار المال العام، بل أصبحت ملاذا للخارجين عن القانون الذين يرتكبون التجاوزات والسرقة والأعمال المنافية للآداب، وهو ما تؤكده أيضا المراقبة المستمرة التي تقوم بها وزارة الداخلية، حيث يتم استخدام بعض المواقع كملاذ للأفعال السلبية ومرعى للحيوانات الضالة، بالإضافة إلى إفساد المظهر العام والتأثير سلبا على القيمة العقارية للمنازل المحيطة. وكذلك الأراضي غير المستغلة في هذه المناطق. الإسكان والاستثمار.
ويمكن وضع العديد من الحلول الجذرية لمعالجة وإنهاء قصة المدارس المهجورة في المنطقة، حيث يؤكد الخبراء على ضرورة تسريع خطة التخلص من هذه “الأنقاض” من خلال طرح المباني القديمة لاستثمارها من قبل القطاع الخاص كمدارس خاصة، وتحويل المناطق المناسبة إلى مراكز لخدمة المواطن أو نوادي شبابية، فضلا عن الهدم الفوري للمباني التي على وشك الانهيار واستخدام أراضيها كمواقف عامة أو ساحات خضراء.
تجارب عالمية
وقد تباينت تجارب البلدان في التعامل مع مثل هذه المدارس المهجورة، حيث انتقلت من العبء البسيط المتمثل في “إغلاق المبنى” إلى “إعادة التدوير الحضري”، أي استراتيجيات إعادة التدوير الحضرية. ويمكننا هنا سرد أبرز السبل التي تتعامل بها الدول مع هذه الظاهرة، مثل التحول إلى مشاريع الإسكان، وهو نموذج تم تنفيذه في هولندا وإنجلترا؛ وهنا، ونظرًا للحاجة إلى مساحة سكنية، قامت هولندا بتحويل الفصول الدراسية الكبيرة إلى شقق “عالية” ذات أسقف عالية ونوافذ كبيرة، مع الحفاظ على ممراتها الأصلية. وبينما أصبحت الساحات أماكن التقاء سكان المنطقة، حلت إنجلترا أزمة السكن بتحويل المدارس التاريخية القديمة إلى شقق فاخرة، مع الحفاظ على التراث المعماري للمنطقة. وقد حولت كل من ألمانيا والولايات المتحدة هذه المدارس إلى مراكز حضانة ثقافية وفنية. وحولت ألمانيا المدارس المهجورة في برلين الشرقية إلى مراكز للفن المعاصر، في حين تم استخدام الفصول الدراسية كاستوديوهات للفنانين بأسعار رمزية مقابل تقديم ورش عمل للمجتمع المحلي. وفي الوقت نفسه، حولت الولايات المتحدة أكبر المدارس المهجورة في نيويورك إلى واحد من أكبر المتاحف الفنية في العالم، وهو الآن تابع لمتحف MoMA. تم الحفاظ على طابع الفصول الدراسية والسبورات كخلفية للأعمال الفنية.
المباني المهملة تفسد المظهر العام وتثير قلق السكان بعد أن أصبحت ملاذاً للخارجين عن القانون ومرعى للحيوانات الضالة.
إذا ذهبنا إلى اليابان، يمكننا أن نرى أن هناك نقصًا في الولادات في القرى اليابانية وكيف تم تطوير استراتيجية لتحويل المدارس إلى فنادق ريفية أو بيوت للشباب حتى يتمكن السائحون من النوم في الفصول الدراسية وتناول الطعام في كافتيريات المدارس؛ أدى هذا إلى إنعاش اقتصاد القرى المهجورة.
وفي النموذج الاسكندنافي، قامت أغلب البلدان بتحويل المدارس القديمة إلى مساحات عمل مشتركة للشركات الناشئة؛ وقد أعادت استخدام البنية التحتية المدرسية التي تتكون من قاعات كبيرة وتمديدات كهربائية وأفنية، مما يجعلها مثالية للمراكز التقنية المرنة.
استخدام المجتمع
وهناك دولة في آسيا تعتبر مناسبة لتطبيق نموذج الكويت لقرب مواردها. ونفذت سنغافورة سياسة تحويل المدارس إلى مراكز رعاية، ونوادي رياضية مجتمعية، وحتى مزارع رأسية داخلية بمجرد إخلائها، مع سياسة “الاستخدام المؤقت” حتى يحين وقت إعادة تطوير المنطقة. وفي واقع الأمر، يمكن القول إن الدول الناجحة لا تترك المباني “مساحات” بل تحولها إلى أصول اقتصادية واجتماعية.
وبالنظر إلى دول الخليج، فمن الممكن النظر في النموذج الذي تعالج فيه المملكة العربية السعودية مشكلة المدارس المهجورة والمباني التعليمية غير المستغلة من خلال استراتيجية تركز على الاستثمار وتحسين البناء والشراكة مع القطاع الخاص ضمن أهداف رؤيتها لعام 2030. لقد اتخذ خطوات تستحق الدراسة من خلال إنشاء شركة تطوير البناء التي أنشأتها الدولة لتكون الذراع التنفيذي والاستثماري لوزارة التربية الوطنية. وبحسب المعلومات التي كشف عنها فقد تبين أنه تمت معالجة وتنشيط أكثر من 450 مشروعاً بالإضافة إلى إدارة الأصول والمباني المهجورة.
وعلى النقيض من هذا الركود، تشير آخر الإحصائيات حتى بداية عام 2026 إلى تحرك تنظيمي واسع من قبل وزارة التربية والتعليم الكويتية من خلال التوسع في البناء؛ وفي السنوات الخمس الماضية استحوذت الوزارة على ما يقارب 132 مدرسة جديدة، منها ما يقارب 41 مدرسة في مدينة المطلع وحدها. وهذا يدل على اهتمام الدولة الكبير بإعادة بناء المدارس ومراعاة مشكلة التخلي عن المدارس القديمة وإيجاد حل لهذه المشكلة دون إغلاق العشرات من المدارس.
ونتيجة لذلك، لم تعد قضية المدارس المهجورة في الكويت مجرد قضية تعليمية، بل قضية أمنية واقتصادية تتطلب اتخاذ قرارات. إن حل مشكلة المدارس المهجورة يتجاوز الترميم الهيكلي إلى إقامة علاقة متكاملة؛ وبينما توفر الدولة الإطار التنظيمي والحوافز، يساهم القطاع الخاص والمجتمع المحلي في التشغيل والاستثمار وحماية الأصول من خلال ضمان أن تصبح هذه المباني منارات علمية مستدامة.