
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
العقول المتميزة تدرس بيننا.. لماذا لا نحتفظ بها معنا؟ اليوم الثلاثاء 12 مايو 2026 الساعة 21:58
لا تقاس ثروة أي بلد بما تمتلكه من موارد طبيعية أو مواقع جغرافية فحسب، بل بالعقول والمواهب القادرة على بنائها وجذبها والاحتفاظ بها للمساعدة في تنميتها ونهضتها. وفي ظل المنافسة العالمية المتزايدة لجذب المواهب، لم تعد الدول تتوقع أن تولد كل المواهب داخل حدودها؛ وبدلاً من ذلك، يقومون ببناء أنظمة ذكية لاكتشاف الموهوبين واستيعابهم وربط مستقبلهم بمستقبل التنمية. ومن هذا المنطلق، تبرز فرصة استراتيجية للمملكة العربية السعودية، التي تواصل بثبات مشروعها الوطني الكبير في ظل رؤية 2030، والمتمثل في وضع آلية مدروسة لتوطين الطلاب الدوليين المتفوقين الدارسين في الجامعات السعودية؛ ليس كمكمل تربوي، بل كاستثمار وطني طويل الأمد في العقول والكفاءات.
الفكرة ليست فتح باب التجنيس على نطاق واسع أو تجاوز الاهتمامات السيادية أو الأمنية أو الاجتماعية؛ بل هو بناء مسار انتقائي صارم وواضح يستهدف شريحة محدودة جدًا من الطلاب الدوليين الذين أثبتوا تفوقهم في البيئة التعليمية السعودية. وقد يكون من شروط هذا المسار التفوق الأكاديمي المتميز، كأن يتجاوز الطالب معدل تراكمي مرتفع جداً يبلغ 4.95 من 5 أو ما يعادله، مع مراعاة التخصصات ذات الأولوية الوطنية في المجالات العلمية والتقنية مثل الهندسة والعلوم الصحية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة والتكنولوجيا الحيوية. أو في المجالات الإنسانية والاجتماعية والنظرية مثل القانون والاقتصاد والسياسات العامة والتعليم والإدارة والإعلام واللغات والترجمة والدراسات الثقافية والاجتماعية، التي تحتاجها الدول لبناء سياساتها ومؤسساتها وهوياتها المعرفية. إن بناء المستقبل لا يعتمد على التكنولوجيا فحسب، بل على تكامل المعرفة العلمية والإنسانية والإدارية.
الطالب المتفوق ليس رقماً على كرسي المدرسة، بل قد يكون مشروع باحث أو طبيب أو مهندس أو مبتكر أو رجل أعمال أو مفكر أو أستاذ جامعي. فإذا كان هذا الطالب قد درس في المملكة، وفهم ثقافتها ومجتمعها، وأتقن لغتها، وتواصل مع جامعاتها وأساتذتها ومجتمعها، فإن خسارته بعد تخرجه في بلد آخر يمثل خسارة غير مرئية ولكنها حقيقية.
وقد أدركت العديد من الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة وكندا وغيرها هذه الحقيقة مبكراً؛ وترى الطلاب الدوليين المتميزين كمؤهلات محتملة تستحق الحفاظ عليها، وليس كإقامات مؤقتة في المؤسسات التعليمية، وبالتالي توفر لهم فرصًا ومسارات وإمكانيات أوسع للبقاء والعمل والإقامة بعد التخرج؛ وهذا يجعل الاحتفاظ بهذه العقول استثمارا يفيد الاقتصاد من خلال النمو، والمعرفة من خلال الابتكار، والمجتمع من خلال كفاءات نوعية أفضل.
والمملكة ليست بعيدة عن هذا التوجه؛ لأننا شهدنا في السنوات الأخيرة خطوات مهمة في استقطاب المواهب وزيادة حضور التعليم السعودي على مستوى العالم، بما في ذلك إطلاق برنامج إقامة النخبة وأقسامه المختلفة، وكذلك منصة “التعليم في السعودية” التي أطلقتها وزارة التعليم بكل امتنان كبوابة استراتيجية لقبول الطلاب الدوليين وتمكينهم من الدراسة في الجامعات السعودية. واليوم، يمكن بناء هذه الخطوات النوعية من خلال عملية مبكرة لاكتشاف المواهب المتميزة للطلاب الدوليين داخل جامعاتنا؛ وبالتالي لا يقتصر التأثير على مجرد استقطابهم وتعليمهم، بل يمتد إلى مراقبة النخبة منهم وربط مستقبلهم بمستقبل المملكة وفق ضوابط دقيقة مثل التميز، وإتقان اللغة العربية، والتوصيات الأكاديمية، والأمن الأمني، والاندماج الإيجابي، والارتباط باحتياجات التنمية الوطنية.
إن تجنيس نخبة الطلاب الدوليين وفقًا لمسار اختيار صارم للغاية لا يعد تنازلًا عن الهوية، بل زيادة في قوة الدولة. إن العالم يدخل في سباق الذكاء، والسؤال الاستراتيجي الذي ينبغي لنا أن نطرحه دائماً ليس: كم عدد الطلاب الدوليين الذين يدرسون في جامعاتنا؟ بل على العكس: كم من العقول المتميزة التي عملت بيننا واستطاعت أن تجعل منها جزءاً من مستقبلنا؟