
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
قصي بن كلاب “شخصية عبقرية قبل الإسلام” اليوم الخميس 22 يناير 2026 09:57
وأما ضياع الاسم فقد ورد في الروايات أن اسم قصي كان “زيدا” عندما ولد بمكة. وبعد وفاة والده تزوجت والدته من رجل من قبيلة قضاعة وذهبت معه إلى بيوت قضاعة في وادي القرى المعروف اليوم بوادي العلا، كما أشار الشيخ حمد الجاسر (رحمه الله). وعاشت حولها قبائل القضاعة مثل جهينة والعدرة وبالي. وهنا بدأت حياة جديدة للطفل زيد، واتخذ الاسم الجديد “قصي” لأنه كان بعيداً عن والده وبيوت قبيلته، خاصة في الوقت الذي كانت فيه عضويته القبلية كاملة ومؤكدة. وبمرور الوقت غلب اسم “قصي” على اسم “زيد” واشتهر بهذا الاسم بين أقرانه، في حين لم يكن والده يعرف بهذا الاسم في ذلك الوقت.
عندما بلغ قصي مرحلة البلوغ والشباب، دخل في معركة مع أقرانه في قضاعة. فقال له أحدهم: ألا تنضم إلى قومك؟ قال. “أنت لست من هنا وأنت أجنبي. أنت لست ثعلب الماء.” عاد قصي إلى والدته فاطمة يشكو مما قيل لها، فهي لا تعرف أبا غير زوجها ربيعة. فقال له: يا بني، أنت الكريم وأبو الروح، أنت ابن كلاب بن مرة، وقومك بمكة عند بيت المقدس. ثم بدأت مرحلة جديدة وقرر قصي مغادرة بيت القضاء. فنصحته أمه أن ينتظر دخول الشهر الحرام ليذهب إلى حجة العرب. فلما دخل الشهر الحرام حج حتى قدم مكة.
وكانت قبيلة خزاعة في ذلك الوقت تسيطر على مكة، وقيل إن هذه السيطرة استمرت نحو ثلاثمائة عام، بينما كانت قريش تسكن الشعاب والجبال وأطراف مكة وما حولها. وهنا تتجلى شخصية قصي بوضوح. ولم يختر العيش في الضواحي، بل ذهب مباشرة إلى مركز النفوذ، وبالتالي تقدم لخطبة ابنة زعيم قبيلة خزاعة والمسؤول عن مكة. وقد أعجب والدها بذكائها وإصرارها، وعندما علم بنسبها القرشي تم الزواج. وكان لقصي أولاد منه، وبدأت مكانة جديدة تظهر له في مكة لقربها من مركز صنع القرار. وكان هذا الزواج مدخلاً استراتيجياً مهد لانتقال القيادة من خزاعة إلى قريش.
وعندما نفحص تصرفاته من حيث مؤشرات وخصائص الشخصية الحديثة، يتبين أن قصي بن كلاب شخصية عبقرية، يتمتع بصفات قيادية، وحكمة، وبصيرة، وسابق لعصره بأفعاله العملية الواضحة. فقيل له: ألا تنضم إلى قومك؟ لم يتردد قط، وناقش، وثبت نسبه، وجمع المعلومات، ثم قرر ونفذ. وعندما وصل إلى مكة، لم يكتف بمنصب هامشي، بل انتقل مباشرة إلى قلب السلطة.
ويؤكد حديث نبينا صلى الله عليه وسلم المذكور في هذا السياق أن من أبرز أعماله جمع قبائل قريش بعد تفرقهم ولذلك سميوا قريش من أصل “التكريش” أي “الجمع”، وهو إنجاز فريد أظهر قدرته على الوحدة والتنظيم، ولقب بـ “المجلس”. ولم يسهب في الحديث عن هيكل القبيلة، بل طلب بدلاً من ذلك مساعدة قضاعة وانخرط في صراع أولي مع قبيلة خزاعة. ثم ذهب الطرفان إلى التحكيم، مما أدى إلى قيام ولاية قصي بن كلاب على مكة وخروج خزاعة من هناك.
وبعد ذلك بدأت مرحلة جديدة؛ مرحلة التخطيط والتقسيم التي قسمت مكة إلى أربعة أجزاء وأعدت قبيلة قريش للسكن بجوار الحرم لأول مرة، عززت مكانة قريش باعتبارها مركز السيطرة والإدارة في مكة. كما أنشأ منظومة استشارية من خلال دار الندوة، وهي مؤشر واضح للهيكلة المؤسسية والتخطيط الاستراتيجي. وعزز مكانته الرفيعة بتوليه مهام الري وتوفير الماء والغذاء، وأكد دوره المهم في صعود نفوذ قبيلة قريش كقوة مركزية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. قامت أمانة الرياض بعمل جيد بتسمية أحد الشوارع باسم قصي بن كلاب. وربما يسمى أحد شوارع مكة “قصي بن كلاب”.
@ealfaide