
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
اليوم الأحد 18 يناير 2026 03:57 أنا أقرأ قسم “أخبرهم أنه هنا يبحث عن ملكة مليحة”
لغة قوية ومفردات دقيقة دائما ما تجذبنا بروعتها إلى المكان المناسب، وها نحن نجدها تتقن ببراعة وإتقان. ولعل أكثر ما أذهلني هو وصف المؤلف لتجاربه الروحية مع استكشافات الطبيعة المختلفة، بما في ذلك تسلق جبل كليمنجارو؛ وهنا لمستني جملة “تواضعت أمام الجبل”، وعندما وصلت إلى القمة قلت: “لقد غمرني الكبرياء، نعم امتلأت فرحاً، ولكن ما لمسني أكثر من ذلك هو الشعور العميق بالصغر، لقد كان صغيراً جداً”. عندما نزلت، “رأيت بوضوح ما الذي يجب تغييره في حياتي، وما الذي يجب أن أتركه خلفي، وما الذي يجب أن أبقى فيه، وما الذي يجب أن أحتفظ به في أعماق قلبي.” لقد كان في حوار دائم مع الجبل، وبكلماته الخاصة، ما يعنيه الوصول إلى القمة، والحوار مع نفسه، والتأمل، والصمت، والإصغاء، والتطهير، والولادة الثانية. وهنا يشعر الإنسان أنه استطاع أن يتحدى نفسه، لكنه تمكن بالفعل من اكتشاف مدى هشاشته وعظمة الخالق. “كل نفس وكل شعور هو هدية إلهية تنتظر أن تُستقبل بامتنان.” ثم قال: “لقد علمني هذا الجبل أن أستمع، وأن أتنفس، وأن أستسلم. لقد علمني كيف أتغير.” وينهي حواره بالعبارة التالية:
قبل أن ننتقل إلى قصة الملكة المفقودة في المقبرة، والتي اكتشفها المؤلف في إحدى مغامراته في منطقة كلباء، والتي لم تؤد إلى أي عواقب مادية سوى اكتشاف بعد آخر للذات.
ومع ذلك، فإن الجزء من الفصل الثالث الذي تعمق فيه في نفسه كان الجزء الأكثر فعالية بالنسبة لي. الكتاب بأكمله حتى الآن يتعمق بشكل عميق وروحي في القصص والاكتشافات، لكن هناك شيئًا فريدًا في رؤيتها لجداتها وأمهاتها ونسب أمهاتها، واستكشافها العميق لأهمية هذه الرسالة لنفسها، والتي تدور حول الاستماع إلى قصصهم القديمة وآلامهم. وكانت الرؤى والأحلام عالمًا آخر من الروحانية والميتافيزيقا، بتفسيراتها وحياتها وخطبها وإلهاماتها. في كثير من الأحيان، فإن الشخص الذي يختبر رؤى تحدث بين عوالم الحاضر والغيب، أو بين عوالم الموتى في برزخهم، يعني أن روح هذا الشخص شفافة، مما يسمح له بمخاطبة هذا العالم والتواصل معه، خاصة عندما يكون أجدادًا. حلمه/رؤيته لنفسه كانت مع أمه جواهر، وجداته القريبة والبعيدة، حصة وميرا ومهرة؛ لقد كان لقاءهما على طاولة مستديرة محفورًا بعمق في ذاكرتها، وربما تمكنت من التواصل مع نساء لم يكن هناك بالفعل وتلقي رسائلهن ودعواتهن للمضي قدمًا، وسرد قصصهن، ورفع راية ذكرياتهن. كامتداد حي لأولئك الذين سبقونا.
كما أبهرني ما كشفه بدور عن العديد من القصص الشخصية التي تلقاها وعبّر عنها من خلال الكتابة، بما في ذلك قصة تعافيه من مرض ما وممارسته لعملية استئصال الغدة الدرقية.
ينتقل بدور من مدينة إلى أخرى، ومن قصة إلى أخرى، وهناك ما يجمعهم. الكتاب يحركني وأشعر أن لغتي تسترشد بالدقة والدقة وأهمية اختيار الكلمات. هناك عبارات جميلة كثيرة، وأوصاف جميلة، ومعاني متدفقة: “الصحراء لا تنسى بناتها، تتوجهن بنور النجوم وتدعوهن للعودة”.
ويقول وهو يصف محراب مسجد الملكة أروى الصليحية في جبل اليمن: “المحراب المزخرف بالكتابات الكوفية الصلبة والمعلق عليه آيات الخضوع واليقين، يواجه القبلة كخطبة صامتة تنتظر من يسمعها”.
الكتاب مثير للاهتمام بموضوعه ولغته وسرده. اقتراحاته مثيرة للاهتمام وعميقة. وكما أعلن منذ البداية، فقد كان من الجرأة اقتراح العديد من القراءات الخاصة للروايات التاريخية للبحث عن الملكات. وهو بحث وجدت نفسي فيه في جوانب عديدة، أحياناً في دراستي لمتابعة الملكات العربية، وأحياناً ملكات الأنباط، وأحياناً الكاهنات العربيات وقديساتهن، ملكات المليحة لم تكن معي وكنت سعيداً باكتشافهن مع اكتشافات بدور. وراجعت المعلومات الواردة في كتاب “أخبرهم أنه هنا” ثم اتبعت نهج بدور. ولم تختلف عني كثيراً، إلا أن بدور اصطحبتها في زيارة عملية إلى منزل الباحث البريطاني للتعرف على تفاصيل أكثر عن ملكات شرق الجزيرة، وخاصة ملكة المليحة أبيل بنت بجلان.
أثناء وصف رحلة مليحة بحثاً عن ملكتها، تتنقل بدور بين النصب والنقوش، بين الجبل والصحراء، بين القمر والنجوم، مذكّرة إياها بكل خفايا الطبيعة والإشارات التي يمكن أن تتلقاها في الطريق. وأثناء محاولته قراءة هذه الرسائل، يستدعي الحيوانات والطيور بكل أبعادها الرمزية والأسطورية، بل ويغوص في تجارب الصحراء على أمل أن تصل إليه مباشرة. لكن تركيزه الدائم كان على التواصل مع الأجداد، والجدات، والأجداد، وهذا ما دفعه إلى البحث عن كل أسئلته داخل نفسه. وكانت من أقوى اللحظات عندما أحس أنه وصل إلى حد سلخ جلده والاندماج بالتربة، ليصل إلى محتواها السري، وسر ما مر بها ومن عاش فيها. تعتبر هذه اللحظة وحيًا مشرقًا واتصالًا بالجذور والذاكرة المتراكمة. تسمي بدور هذه رحلتها الشخصية ورحلة كل امرأة ولدت في هذا العالم.
ويتأمل من خلال كتابه المعاني الروحية الهامة للإيمان والتسليم والحكمة التي نقلها أهل العلم، ويرى أنها ممثلة في مواقف الصبر والثقة والنجاة والمحبة. وربما يستمر فيه معنى الحب وتكمل معه ملكة هذه الرحلة كرسالة أرسلتها إليه مليحة.
ولا تزال مقتبساته عن ابن الرومي وحافظ الشيرازي وابن عربي تثير الدهشة بطلاقتها وانسجامها مع رواية الرحلة.
إحدى الحكمة التي شاركها معنا هي: “يقول الحكماء أن الحقيقة تكشف عن نفسها بعدة طرق، ليس دائمًا من خلال الكتب أو الآثار، ولكن بالأحرى فيما نحمله في أجسادنا وما تكشفه لنا الأرض عندما نتباطأ في الاستماع. لا يتعلق الأمر بمطاردة الرؤى، بل يتعلق بالانتباه والتنفس والاستماع، مجرد فعل الجلوس حتى تنقشع الضوضاء”. ولعل هذا كان دليله طوال رحلة الاستماع وتطوير مهارات الاستماع لديه، محاولاً فهم صمت الصحراء والبحار. والسماء.
ويقول وهو يمجد الصحراء: “الصحراء ليست حيا خاليا، بل هي مكتبة حية”. واقتبس من الأمير الصغير من التراث الأمازيغي لأنطوان دو سانت إكزوبيري: “يجلس المرء على الكثبان الرملية، لا يرى شيئا ولا يسمع شيئا. ولكن في الصمت شيء يرفرف… ويضيء…”
ولعل من بين ما تكتشفه بدور من هذه التجربة، والذي تطالب به المرأة العربية، هو التحرر من طبقات غسيل الدماغ الاجتماعي بالتوقف عن انتظار الإذن، والتوقف عن طلب النصيحة، والتوقف عن أداء الأدوار التي لم تكن مخصصة لأحد منا قط، وهذه هي المعاني التي تقف بدور لتعيشها بصدق ووضوح بروحها الأصلية.
فهي ترى نفسها حلقة وصل في رحلة ذاكرة بلد يخيط وينسج قصصه القديمة في أشكال جديدة لإيقاظ أشياء كانت موجودة منذ القدم، ولكل من يهدف إلى العودة إلى نفسه على أكتاف أسلافه وملكاته.
أفضل ما في السيرة أنها ملحقة برسالة من مليكة مليحة أبيال بنت بجلان، ويختتمها باجلان بهذه الكلمات: “جئت لأحبك. لأرشد خطواتك. لأفتح أمامك طريق القلب…”.
سيرة ذاتية تستحق القراءة والتأمل.