اسأل بوكسنل

السعودية.. حكم الجغرافيا وشهادة التاريخ

ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
السعودية.. تفوق الجغرافيا وشهادة التاريخ, اليوم الاثنين 12 يناير 2026 12:47

يشهد شرقنا الأوسط صراعات شديدة بين مفهومين متناقضين. جذر المفهوم الأول هو الحفاظ على وحدة الدول العربية، وجمع شتات شعوبها، وتوحيدها في حصن الوحدة الوطنية التي تضمن بقاء الوطن الأصلي على قيد الحياة بشكل مستمر لا تشوبه شائبة ودون عائق من رياح الفتنة العاتية التي هبت على المنطقة مؤخراً منذ ظهور ما يعرف بالربيع العربي!

والمفهوم الثاني هو حالة الطوارئ الشريرة التي نشأت على المنطقة العربية وشعوبها بسبب التداعيات المتوقعة لهذا الوضع السياسي الجديد، وهو التفتيت والتخريب لتحقيق الأشكال والأشكال المجزأة للأوطان الأصلية، لتسهيل السيطرة عليها وإعادة تشكيل خريطة منطقتنا إلى مناطق نفوذ جديدة تخدم إسرائيل بالدرجة الأولى وتعيد المستعمر إلى المنطقة تحت ذرائع مختلفة!

إن المملكة العربية السعودية بتاريخها الطويل وجغرافيتها الواسعة كانت ولا تزال النموذج الوحدوي العربي الإسلامي العظيم الذي أسسه عبد العزيز بن عبد الرحمن -بإذن الله- باعتباره النموذج الأول والأكمل لكل الأشكال الوحدوية للتكامل العربي التي جاءت وأرادت أن تكون. كان هذا النموذج الوحدوي، وسيظل، مقلقاً للكثيرين الذين يرون، على مر السنين، في هذا الشكل الجديد والمستقيم جميع مكونات الدولة القوية والشابة. وقد عززت الدولة السعودية من خلال أدوارها الثلاثة مفهوم الدولة الوطنية المؤطرة بهذه الفكرة. الطموح والانضباط، كل هذا ساعد في الحفاظ على شبه الجزيرة العربية وخصائصها الفكرية والسياسية والاجتماعية لمدة ثلاثة قرون، وهذا ما جعل السعودية والسعوديين شخصية فريدة ومراوغة في هذه المنطقة. حدثت هذه الميزة طويلة المدى؛ التاريخ والجغرافيا والعزيمة السعودية العالية والمرونة والقدرة على المناورة حسب ظروف الزمن ومتغيرات كل مكان.

واليوم اليمن والسودان والصومال؛ هذه كلها مشاريع تفكك وتشرذم وانقسام في وضع غريب يتساءل عن المدى الحقيقي لما يحدث في هذه الدول الشقيقة. إن ما يحدث ليس مجرد تحركات داخلية تؤدي إلى مثل هذه الصراعات الخطيرة والدموية، كل ذلك يحدث في ظل ما يسمى بالحروب بالوكالة التي أشعلتها تشكيلات موجودة في المنطقة بمشاريع غير واقعية لا تتوافق مع الواقعية السياسية وواقع المنطقة وجغرافياها وشعوبها.

ولترسيخ مفهوم ما يحدث، لا ينبغي أن ننسى أن بعض الشخصيات العربية في بلادهم ترى في إسرائيل النموذج المثالي الذي ينبغي تقليده والدوران في فلكه وبين المدارات من أجل تحقيق صيغة مشابهة لهذا النموذج. إسرائيل دولة مساحتها مماثلة لبعض هذه الدول وقلة عدد سكانها تشبه الحالة المزمنة التي تعاني منها الدول نفسها، لكن إسرائيل كان لها تأثير يفوق بكثير جغرافيتها وتركيبتها السكانية. ومن خلال تجاهل الدور الوظيفي الذي تلعبه إسرائيل، أصبح هذا النموذج بالنسبة لبعض العرب منفصلاً عن سياقه التاريخي والسياسي. وبما أنها تمثل قاعدة الغرب المتقدمة والمتقدمة في الشرق الأوسط في بعدها الأيديولوجي والتاريخي، فقد تبنى البعض هذا النموذج المنفصل عن سياقه، بهدف زعزعة أمنه وسلامته واستقراره، واعتبروا أن وفرة المال والعلاقة الوثيقة مع إسرائيل أعادت تشكيل الخريطة الإقليمية من خلال تفتيت الدول الكبيرة ومكنت هذه الدول الصغيرة من الوصول إلى صيغ سياسية تمكنها من الهروب من طغيان ونفوذ وواقع الجغرافيا. ومن خلال خلق تاريخ جديد يقوم على الولاء المطلق لإسرائيل والتحالف معها في قضايا استراتيجية خيالية، فإنهم النموذج الأمثل والمثالي للدول العربية الصغيرة التي تتيح لها تقديم نفسها أولاً لإسرائيل، ثم للغرب، وثالثاً للعالم، تضمن أمن إسرائيل وسلامتها في بيئة جديدة منتظرة، تمزقها الأطماع التافهة، وتغذيها الحاجة إلى واقع عربي جديد منقسم على إسرائيل نفسها وعلى مدى تاريخها الطويل؛ وكل ذلك يتم التحضير له من خلال تغيير خريطة العالم العربي وتدميرها بسياسات تدميرية تقوم على إثارة الفتنة والقلاقل. وتؤجج الحروب من خلال تقديم الدعم السريع والمستمر لبعض الفئات خارج الدولة والدول المحيطة بها.

كان الربيع العربي بمثابة استراتيجية تهدف إلى إضفاء الشرعية على بعض الحكومات العربية لنشر الفوضى حتى يمكن إعادة تشكيل المنطقة. وكان لهذا المفهوم أنصاره وأدواته والحراك الإعلامي الضخم الذي لم يستطع أن يقاوم السعودية في مواجهة هذه الموجات وإخمادها، وعاد مبدعوه ليحيوا أثر التاريخ وواقع الجغرافيا.

ويعود الهدف نفسه من جديد، ولكن بوسائل أكثر دموية وعبر تشكيلات عربية جديدة، ليلعب الدور نفسه في تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ جديدة؛ وهنا تكون القوة والعصا في يد إسرائيل، ويدور باقي المساهمين في خدمة هذا المشروع لضمان خروجهم من عزلة الجغرافيا وهيمنة التاريخ؛ حتى لو كان هذا الظهور في سياق إسرائيل المناهضة للتاريخ والجغرافيا تمامًا.

وفي اليمن تمارس السعودية حقها في الدفاع عن نفسها ضد كل الحركات الانفصالية التي تحاول الإمارات الشقيقة التعبير عنها بمفهوم يخالف الواقع والواقع. اليمن عمق استراتيجي للسعودية والتدخل فيه يعد انتهاكا للسيادة السعودية، وهذا ما جعل الأغلبية العربية تقف خلف قيادتنا في تحركاتها الأخيرة في اليمن والسودان والصومال. المملكة العربية السعودية شبه قارة وجميع هذه الدول على اتصال مباشر معنا من خلال واقع جغرافي مشترك وتاريخ سابق. وما يحدث هناك يؤثر هنا أيضاً، وحقيقة أن الدول الكبرى تعرف ذلك وتحاول دائماً منعه، توضح سر ردود الفعل القاسية التي تظهر لكل من يبحث عن هذه الحقيقة أو يتدخل فيها أو يعبث بها. سيادة الدول الكبرى ليست مستقلة عما يجري حولها، وهنا يكمن ولن يكون الفرق بين دولة غارقة في أعماق التاريخ، تشهد تلك الجغرافيا القوية، وبين دول لا تنظر إلى التاريخ إلا بحلم وخيال، ولا ترى الجغرافيا أكثر من فجوة في الخريطة تظل افتراضية، يمكن تغييرها من هنا بحلم تافه، أو من هناك بنزوة شيطانية. يكون!

السابق
الكذب عند الاطفال دوافعه واساليب علاجه التربوية ملخص 2026
التالي
موقع ذكاء اصطناعي ‏لايستطيع ايقافه شيء

اترك تعليقاً