اسأل بوكسنل

أثرياء الراتب

ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
الأغنياء يتقاضون رواتبهم اليوم الخميس 8 يناير 2026 01:41

في الواقع الاجتماعي والاقتصادي السعودي، يُنظر إلى الأجور المرتفعة على أنها مرادف مباشر للثروة والاستقرار؛ لدرجة أن مقدار الدخل الشهري أصبح معياراً اجتماعياً لتقييم الوضع المالي للفرد. لكن هذا التصور، رغم شيوعه، يخفي خللاً جوهرياً بين مفهوم الدخل ومفهوم الثروة، ويخلق فئة يمكن وصفها بـ«غنية الرواتب». ومن يبدو في وضع مالي متقدم، فهو في الواقع يعتمد على مورد هش يفتقر إلى عناصر الاستدامة.

وتشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء والتقارير الاقتصادية الخاصة في المملكة إلى أنه على الرغم من تحسن مستويات الدخل في السنوات الأخيرة، إلا أن معدلات الادخار الأسري لا تزال محدودة. ينفق جزء كبير من الأسر السعودية ما يقارب 60 إلى 70% من دخلها الشهري على الاحتياجات المعيشية والالتزامات الثابتة؛ وهذا يترك هامشاً ضيقاً للادخار أو الاستثمار حتى بين أصحاب الدخل المرتفع. ومع كل زيادة في الدخل، يتضخم نمط الإنفاق بالمعدل نفسه، فتتحول الزيادة من فرصة لبناء الثروة إلى وقود لنمط حياة أكثر تكلفة، في ظاهرة تعرف اقتصاديا بتضخم النمط. للعيش.

المشكلة لا تكمن في الراتب المرتفع بحد ذاته، بل في طريقة التعامل مع الراتب كأصل مالي، وليس كدخل زمني. ويعتمد الراتب على فترة وظيفية محدودة، وصحة الفرد، والقرارات التنظيمية أو الاقتصادية التي ليس له سيطرة عليها. ومع ذلك، فهو يعتمد على افتراض أن الالتزامات طويلة الأجل، مثل القروض العقارية، والتمويل الاستهلاكي، والنفقات الثابتة التي يصعب تخفيضها عندما تتغير الظروف، سوف تستمر دون انقطاع. في هذه الحالة، يتوقف الراتب عن كونه أداة أمنية ويتحول إلى نقطة ضعف مؤجلة.

ويصبح هذا الضعف أكثر وضوحا عند التقاعد؛ وفي السعودية، يتراجع دخل الكثير من المتقاعدين مقارنة مع مدة الخدمة، ما يخلق فجوة مالية واضحة لدى من لم يراكموا مدخرات أو أصولاً مدرة للدخل خلال سنوات خدمتهم، وهنا تبرز مفارقة قاسية: سنوات طويلة من الدخل المرتفع انتهت دون خلق أساس مالي يمكنه الحفاظ على مستوى المعيشة بعد توقف الراتب، ليتحول الانتقال إلى التقاعد من مرحلة عادية إلى صدمة اقتصادية واجتماعية.

ولا تقاس الثروة الحقيقية بحجم الراتب، بل بقدرة الدخل على توليد دخل آخر بشكل مستقل عنه. إن وجود استثمارات عاملة بهدوء أو مشاريع جانبية أو أصول مالية هو ما يصنع الفارق بين الشخص الذي يخرج من سوق العمل بأمان والشخص الذي يتركه مثقلاً. والاعتماد على الراتب وحده مهما بلغ يعني في الأساس تأجيل المشكلة دون حل.

إن الخطر الأعظم الذي يواجه “الأثرياء من ذوي الرواتب” لا يتمثل في الانخفاض المفاجئ في الدخل، بل في الضمانات الكاذبة. السنوات التي قضيتها دون ادخار أو استثمار لا يمكن إرجاعها، وعندما يتوقف الراتب يتوقف معه وهم الثروة. لذا فإن السؤال المؤلم ليس: لماذا انخفض دخلي؟ فلماذا لم يتحول هذا الدخل إلى ثروة؟

فالراتب المرتفع قد يخلق ازدهارا فوريا، لكنه لا يخلق الأمن المالي المستدام. فالشخص الذي يبني حياته على دخل واحد، مهما بدا كبيرا، لا يعيش في استقرار مالي حقيقي، بل على حافة المخاطر المؤجلة. السؤال الذي يجب طرحه ليس: كم راتبك اليوم؟ على العكس من ذلك: كم سيبقى لديك عندما يتوقف الغد؟

@عزيززومران

السابق
أكثر من 440 ألف طالب وطالبة ينهون اختبارات الفصل الدراسي الأول في المدينة المنورة
التالي
عروض اللقاءات العلمية الداعمة لتطوير أداء المعلمين تعليم الشرقية

اترك تعليقاً