اسأل بوكسنل

تفكيك سردية الأخلاق في مشاريع التدخل الإقليمي

ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
التنوير المسلح: تفكيك السرد الأخلاقي في مشاريع التدخل الإقليمي اليوم الاثنين 22 ديسمبر 2025 04:53

شهد مجال السياسة في السنوات الأخيرة صعود خطابات لا تشرع العمل السياسي بمنطق المصالح أو توازن القوى فحسب، بل تحيط المصالح الجيوسياسية بلغة فلسفية أخلاقية، وبذلك يتحول التدخل الإقليمي من ممارسة سياسية قائمة على منطق المصالح والقانون الدولي إلى رسالة حضارية، وتعاد صياغة الهيمنة كواجب أخلاقي. وهذا النهج ليس جديدا في تاريخ العلاقات الدولية، لكنه رافق معظم المشاريع التوسعية عبر العصور؛ لأن السلطة نادراً ما تتجاوز حدودها دون أن تنتج رواية أخلاقية تبرر أفعالها وتخفي دوافعها الواقعية؛ بغض النظر عن قدرتها الفعلية على تحقيق القيم أو الأهداف التي تدعيها هذه الرواية.

إن مثل هذا الخطاب يقوم على شرعنة التدخلات غير الشرعية باسم حماية التنوير والوعي، وهنا تكمن المعضلة الأساسية: من أعطى أي حزب الحق في تنصيب نفسه حارساً أخلاقياً ومعرفياً لكل المجتمعات؟ وباسم «الحفاظ على الوعي» و«إنقاذ الناس من الروايات المظلمة»، يُمنح أحد الأطراف امتياز تحديد ما هو عقلاني وما هو متطرف، وما يستحق الدعم وما يجب استبعاده. وبدلا من أن يكون موقفا فلسفيا، فهو مطلب للهيمنة مصاغ بلغة التنوير حيث يتحول الطموح السياسي إلى واجب حضاري. ويبدو أن المشروع يحمل رسالة إنقاذ المنطقة من نفسها بدلاً من السعي إلى النفوذ الإقليمي، وهو أمر مشروع من حيث المبدأ في العلاقات الدولية. ومع هذا التحول الخطابي، ينفتح الباب لتجاوز حدود السيادة والشرعية الدولية، لأنه وفق هذا المنطق يتم تقديم الرسالة الأخلاقية باعتبارها متفوقة على القانون ومتفوقة على السياسة.

وهناك أمثلة واضحة لهذا المنطق في التاريخ السياسي العالمي. وبرر الاستعمار الأوروبي توسعه بشعار “حضارة الشعوب المتوحشة” وتحمل “عبء الرجل الأبيض”. وبينما بررت الولايات المتحدة تدخلاتها الخارجية بخطاب نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، برر الاتحاد السوفييتي توسعه بدعوى تحرير البروليتاريا وبناء العدالة الاجتماعية. تتغير الشعارات والمرجعيات، لكن بنية السرد تبقى على حالها: تحويل المصالح الجيوسياسية إلى رسالة أخلاقية جامعة تبرر كل شيء، وتعفي صاحبها من المسؤولية، وتحرم الآخرين من حق الاعتراض.

غالبًا ما يرتبط هذا النوع من المشاريع بما يسمى “الأغراض العقلانية”؛ وهذا يشير إلى أن أفعالهم، بغض النظر عن طبيعتها أو عواقبها، موجهة حتماً نحو الصالح العام. إلا أن السؤال الجوهري في الفلسفة السياسية لا يزال بحاجة إلى إجابة: من يحدد الهدف؟ بأي حق؟ ومن يسيطر على من يدعون احتكار الهدف الأخلاقي؟ والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يعكس مفهوم “الهدف الواحد المغلق” لخصومه، ويصورهم على أنهم أسرى أيديولوجيات ظلامية أو مشاريع أحادية الجانب، بينما يمنح نفسه في الوقت نفسه هدفا شاملا عالميا يشمل كل القيم الأساسية مثل حماية الإنسان وكرامته ووعيه وعقله وعيشه المشترك والوطن. ويكشف هذا التناقض أن كل مشروع يدعي احتكار الهدف الأخلاقي الأسمى ويصنف معارضيه كأعداء للوعي أو صانعي الفوضى هو في الأساس مشروع أحادي الجانب، حتى لو كان متنكراً بالفلسفة والوضوح. وعندما يتم تقديمه على أنه الهدف الصحيح الوحيد الذي لا يقبل النقد والمحاسبة، فلا فرق جوهري بينه وبين الأيديولوجيات المتطرفة التي يدعي محاربتها، لأن كلاهما يحتكر الحقيقة ويجرم الاختلاف.

وتتجلى خطورة هذا الخطاب عندما يصل إلى ذروة شيطنة الخصم من خلال اختزال التطرف في المنطقة بأكملها في نص واحد، أو حركة واحدة، أو شخصية معينة، وكأن تعقيد الصراعات والحروب والانهيارات الاجتماعية يمكن إرجاعه إلى سبب فكري واحد. وهذا التخفيض ليس بريئا؛ بل إنه يخدم غرضًا محددًا: القضاء على السياسة من أجل الأخلاق المسيسة. وبدلاً من تحليل الصراعات باعتبارها نتاج تقاطع عوامل داخلية وخارجية، أو تضارب المصالح، أو الدفاع عن الدولة، أو الأمن أو السيادة، يتم إعادة تعريفها على أنها معركة وجودية بين النور والظلام، بين التنوير والجهل.

وفي هذا السياق، فإن أي طرف يعارض مشروعاً إقليمياً معيناً يُتهم تلقائياً بالارتباط بالتطرف، حتى لو كان فاعلاً سياسياً مشروعاً أو جزءاً من نظام معترف به دولياً. وبذلك يزول التعقيد السياسي والاجتماعي، وتتحول الخلافات السياسية الطبيعية إلى صراع أخلاقي مطلق. وهذا هو المنطق الذي يرتكز عليه الخطاب المتطرف الذي يزعم أنه يحاربه.

وعندما يُزعم أن الدور لا يقتصر على المواجهة الأمنية أو السياسية، بل يشمل إعادة هيكلة المجتمعات وتفكيك الأنظمة وإعادة تشكيل الوعي من الداخل، فإن الأمر لا يبقى في حدود الخطاب، بل يمتد إلى الممارسة الفعلية. ويتحول الخطاب حالياً من الشرعية الفكرية إلى ولاية سياسية مفتوحة يتم باسمها التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول. ويعني ذلك عمليا دعم الأحزاب المحلية على حساب الحكومات المعترف بها دوليا، والتأثير على العمليات السياسية والانتخابية، وتمويل الجماعات المسلحة أو شبه المسلحة لإضعاف الأحزاب الأخرى، وتغيير ميزان القوى الداخلي تحت شعار الإصلاح أو التنوير. وقدمت بعض الساحات الإقليمية أمثلة واضحة على مدى إسهام هذا التدخل في تعميق الانقسام وإطالة أمد الصراع بدلا من ضمان الاستقرار الموعود، باعتباره أحد العوامل الموجودة على الساحة وليس السبب الوحيد. والمفارقة هي أن هذه التدخلات تؤدي في كثير من الأحيان إلى المزيد من الفوضى والعنف؛ وهذا الوضع يتناقض بشكل أساسي مع الخطاب الذي يطرح نفسه كمشروع لمكافحة التطرف وبناء الاستقرار.

إن التمييز بين المشروع السياسي المشروع وبين التدخل الخارج عن حدود الشرعية لا يحتاج إلى فلسفة معقدة؛ بل يتطلب معايير موضوعية واضحة يمكن قياس الممارسات السياسية على أساسها. أولاً: الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. إن أي مشروع يدعي الإصلاح أو التنوير ولكنه يخالف مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو يتجاوز قرارات مجلس الأمن والآليات الدولية المعترف بها، يفقد شرعيته مهما كانت مبرراته الأخلاقية. ثانياً: احترام السيادة الوطنية والتعامل مع الحكومات والمؤسسات المعترف بها دولياً، وليس مع فصائل أو أحزاب بديلة تهدف إلى فرض نفسها كممثل شرعي للشعب. فالشرعية لا تتحقق بطرف إقليمي، بل بآليات دولية ودستورية مفتوحة. ثالثاً: الشفافية في الأهداف والوسائل، بحيث يعلن المشروع أهدافه الحقيقية ولا يخفي أطماعه الجيوسياسية خلف شعارات مبهمة عن الوعي والكرامة، ويكشف عن أدوات عمله ومصادر تمويله وشبكة علاقاته الإقليمية والدولية.

رابعاً: عدم تحمل المسؤولية والعصمة الأخلاقية. فالمشروع الذي يرفض النقد، ويرى في أي محاسبة تشويها أو مؤامرة، ويضع نفسه الحكم الأخلاقي النهائي في المنطقة، هو في الأساس مشروع استبدادي مغلق، رغم أنه يتحدث لغة الانفتاح والتعددية. وهذه المعايير ليست مثالية مستحيلة، بل هي معايير دنيا تميز العمل السياسي المشروع، حتى لو كان مخطئا أو فاشلا، عن التدخل الذي يعيد إنتاج منطق الهيمنة والوصاية تحت أي مسمى.

وبمجرد تفكيك مبررات هذا التعدي على سيادة الدولة وطرح أسئلة مشروعة حول عواقبه، تبدأ استراتيجية بلاغية مألوفة تتمثل في نزع الشرعية عن النقد نفسه في الظهور. ويعاد تعريف المساءلة على أنها تشويه، ويصور النقد كجزء من مؤامرة، ويختزل المجال العام في معادلة ثنائية: من ليس معنا يحب التطرف، ومن ينتقدنا يخدم الفوضى. هذه السمة ليست سمة من سمات الفكر الفلسفي، بل هي سمة من سمات الخطاب السلطوي المنغلق الذي يحوله إلى أدوات لإسكات من ينتهك القيم التي يدعي الدفاع عنها. إن أي مشروع إصلاحي أو تنموي أو تعليمي جدي لا يخشى النقد، بل يرى فيه ليس تهديدا وجوديا، بل شرطا لتصحيح المسار وتحسين الأداء.

إذا كانت هذه المشاريع العابرة للحدود، أياً كان سياقها والجهات الفاعلة فيها، تحمل حقاً النوايا التنويرية التي تدعيها، فإن أبسط معيار للحكم عليها سيكون نتائجها الملموسة: هل ساهمت في تعزيز الدولة الوطنية أو تفككها؟ هل دعمت الشرعية والحلول السياسية أم قوضتها؟ وهل أدى إلى تراجع العنف والفوضى، أم إلى إعادة إنتاجهما بأشكال جديدة؟ وفي كثير من الحالات، يشير الواقع إلى نتائج معاكسة تماماً للخطاب المعلن، مما يثير سؤالاً أخلاقياً وسياسياً مشروعاً فيما يتعلق بالفجوة بين المطالبة والممارسة. إذا كان هذا هو التنوير، فكيف يمكن تمييزه عن أشكال التدمير الأكثر مباشرة؟

ونتيجة لذلك: نحن أمام سردية شرعية متكاملة تنتج مرجعيات أخلاقية ومعرفية دون سلطة شرعية، وتختزل المنشقين في أيديولوجيات ظلامية لتبرير استهدافهم، وتحول التنوير من قيمة إنسانية إلى أداة تدخل وهيمنة، وتجرم المحاسبة كخدمة للتطرف. وهذا من أخطر أشكال المشاريع السياسية لأنه لا يرفع راية العنف المكشوف؛ بل يقنعنا أن العنف فضيلة عندما يُمارس باسم الأخلاق، وأن التدخل واجب عندما يُصاغ بلغة التنوير، وأن السيطرة ضرورة عندما تُبرر بالحفاظ على الوعي. يعلمنا التاريخ السياسي أن أخطر أشكال الاستعمار هو ذلك الذي يأتي مع لغة الحضارة، وأشد أشكال الاستبداد فتكا هو ذلك الذي يغتصب حق الناس في الاختلاف والاختيار مع ادعاء تحريرهم.

@TurkiGoblan

السابق
قالب مفتوح لعمل مسابقات تفاعلية
التالي
مراجعة الدراسات الإسلامية الصف الخامس كامل المنهج الفصل الدراسي الأول – ١٤٤٧هـ

اترك تعليقاً