اسأل بوكسنل

الكويت وطني الثاني وأرض الضيافة والأمل

بعد 5 سنوات في دولة الكويت، يستعد المطران يوجين نوجنت، سفير الفاتيكان لدى الكويت، لمغادرة الكويت متوجها إلى جمهورية التشيك لتولي مهامه الجديدة كسفير رسولي في براغ، منهيا بذلك مرحلة دبلوماسية وإنسانية وروحية مليئة بالأعمال والعلاقات المتطورة مع مختلف مكونات المجتمع الكويتي. وصل المطران نوجنت إلى الكويت في فبراير 2021، خلال إحدى الفترات الأكثر تعقيدا على المستوى العالمي، حيث لا تزال تداعيات جائحة كورونا تلقي بظلالها على مختلف جوانب الحياة، وعلى مدى سنوات خدمته، شهدت المنطقة والعالم العديد من التحولات والتحديات السياسية والإنسانية والأمنية، لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة مهمته الدبلوماسية والروحية المتمثلة في تعزيز الحوار والتفاهم والتقارب بين الشعوب والأديان والثقافات. وفي هذه المقابلة الوداعية لـ«الجريدة»، يصف سفير الفاتيكان تجربته في الكويت التي يصفها بـ«الوطن الثاني» و«أرض الضيافة والصداقة والأمل» بالنسبة له، ويصف المحطات المهمة التي عاشها خلال فترة ولايته، بدءاً من الصعوبات التي جلبها الوباء، وتطوير عملية الحوار بين الأديان في منطقة الخليج، وتحقيق النجاحات التي شهدتها الكنيسة الكاثوليكية في الكويت، وأهمها رفع مكانة كنيسة سيدة الجزيرة العربية. وتمت ترقية الأحمدي إلى رتبة “بازيليكا”. “صغرى” الأول من نوعه في شبه الجزيرة العربية. كما ركز المطران نوجنت على تفرد تجربة الكويت في التعايش والتسامح الديني، مشيدا بما لاحظه من انفتاح واحترام متبادل بين مختلف مكونات المجتمع. وأكد أن الكويت تقدم للعالم نموذجا عمليا يثبت أن التنوع الثقافي والديني يمكن أن يكون مصدر قوة وثروة، وليس سببا للفرقة والصراع… وفيما يلي نص الحوار:

• بعد أن قضيت 5 سنوات في الكويت، كيف تصف تجربتك الشخصية والروحية في هذا البلد؟ ما هي أبرز الذكريات التي سترافقك بعد الانفصال؟

– السنوات الخمس التي قضيتها في الكويت كانت نعمة عميقة على المستوى الشخصي والرعوي والروحي. وصلت إلى الكويت في فبراير 2021، في ظل الأيام الصعبة التي فرضها وباء كورونا، ولم أكن أعرف بالضبط ما الذي ينتظرني، لكنني اكتشفت بلدا يتميز بالكرم والانفتاح والاحترام العميق لكرامة الإنسان.

من الناحية الروحية، ألهمني إيمان المجتمع الكاثوليكي إلى حد كبير، والذي كان يتكون في معظمه من العمال الأجانب الذين تركوا مسقط رأسهم وعائلاتهم بحثًا عن مستقبل أفضل. لقد كانت صمودهم والتزامهم بالإيمان وثقتهم بالله مصدرًا دائمًا للإلهام والتشجيع بالنسبة لي.

الكويت نموذج متميز للتعايش، وهناك رغبة حقيقية في الانفتاح على الآخرين ومعاملتهم باحترام.

ومن بين أعز الذكريات التي سأعتز بها هي الصداقات التي كونتها مع العديد من الكويتيين وأعضاء السلك الدبلوماسي والمسؤولين الحكوميين والزعماء الدينيين والعائلات العادية. وسأتذكر أيضًا الدفء الكبير الذي تلقيته في كل مكان زرته. ليس من السهل أن أقول وداعاً للكويت لأنها أصبحت بيتي الثاني الآن.

• أتيتم إلى الكويت في وقت كانت فيه العديد من التحديات الإقليمية والعالمية. كيف أثرت هذه الأحداث على عملك ورسالتك؟

لا شك أن الأعوام التي تلت عام 2021 حملت الكثير من التحديات. أثرت جائحة فيروس كورونا على مختلف جوانب الحياة وفرضت قدرا هائلا من الإبداع والمثابرة على المجتمعات الدينية لمتابعة مهامها. لقد تعلمنا طرقًا جديدة للحفاظ على الرعاية الروحية مع الحفاظ على صحتنا العامة.

لقد ذكّرتنا التوترات الإقليمية التي شهدناها في السنوات الأخيرة بمدى هشاشة السلام وأهمية العمل على الحفاظ عليه. في مثل هذه الحالات، تكون رسالة الكنيسة إنسانيّة وروحيّة في المقام الأول، وليست سياسيّة؛ دعم الناس وتشجيع الحوار وتعزيز التفاهم والصلاة من أجل السلام.

ويقدم مثالا يؤكد أن التنوع يمكن أن يكون مصدرا للثروة والقوة، وليس سببا للصراع والانقسام.

وقد عززت هذه التحديات إيماني بأننا ننتمي إلى أسرة إنسانية واحدة وأن التعاون والتضامن والاحترام المتبادل أمور لا غنى عنها إذا أردنا التغلب على التحديات معا.

التسامح والتعايش

• تتمتع الكويت بتاريخ طويل من التسامح الديني والتعايش بين الثقافات والجنسيات المختلفة. كيف تقيمون هذه التجربة؟ ما الذي يميز هذا عن التجارب الأخرى التي شهدتها؟

لقد طورت الكويت نموذجها الفريد للتعايش. هناك أناس من العديد من البلدان والثقافات والأديان يعيشون ويعملون معًا ويساهمون في تنمية وازدهار البلاد.

ما يميز الكويت حقًا هو روح الضيافة الحقيقية التي أشعر بها فيها. فالطوائف الدينية قادرة على ممارسة طقوسها الخاصة، وهناك رغبة حقيقية في الانفتاح على الآخرين ومعاملتهم باحترام. يخلق هذا الانفتاح بيئة تعتمد فيها العلاقات على الثقة بدلاً من الخوف.

وفي عالم شهد العديد من الانقسامات، تقدم الكويت مثالا يؤكد أن التنوع يمكن أن يكون مصدرا للثروة والقوة، وليس سببا للصراع والانقسام.

• خلال فترة ولايتك، قام البابا الراحل فرانسيس بزيارة تاريخية إلى منطقة الخليج، واستمر الحوار بين الأديان في الازدهار. وكيف تقيمون مسار هذا الحوار في الكويت والمنطقة خلال السنوات الأخيرة؟

لقد أحرز الحوار بين الأديان تقدما كبيرا في السنوات الأخيرة. ومن أهم الأحداث التي عشتها في منطقة الخليج كانت زيارة البابا فرانسيس التاريخية إلى البحرين في نوفمبر 2022؛ وحملت هذه الزيارة رسالة قوية تؤكد أن الحوار والأخوة الإنسانية والاحترام المتبادل هي عناصر أساسية لبناء عالم أكثر سلاما.

وفي الكويت والبحرين وقطر، لاحظت التزاماً متزايداً من جانب الزعماء الدينيين والمؤسسات الدينية بتحسين التفاهم والتعاون بين أتباع الديانات المختلفة.

• يوجد في الكويت مجتمع كاثوليكي كبير ومتنوع. ما هي أبرز التحديات والنجاحات التي واجهتها الكنيسة الكاثوليكية في خدمة هذا المجتمع خلال فترة ولايتك؟

وتتميز الطائفة الكاثوليكية في الكويت بتنوعها الاستثنائي، إذ تضم مؤمنين من آسيا وإفريقيا وأوروبا وأميركا والشرق الأوسط، ويشكل هذا التنوع إحدى أعظم نقاط قوتها.

ويتمثل التحدي في توفير الرعاية الروحية لمجتمع كبير متعدد الثقافات مع ضمان قدرة المؤمنين على ممارسة طقوسهم الخاصة وتلقي الخدمات الروحية بلغات وتقاليد مختلفة.

ومن القضايا التي نأمل إحراز تقدم فيها هي الحاجة الملحة لبناء كنيسة في منطقة جليب الشيوخ (العباسية)، حيث يقيم عدد كبير من الكاثوليك، ولا يوجد مكان مخصص للعبادة، ويواجه العديد من أفراد الطائفة صعوبات ناجمة عن كونهم عمالاً مغتربين يعيشون بعيداً عن عائلاتهم ومسقط رأسهم.

ومن القضايا التي نأمل إحراز تقدم فيها هي الحاجة الملحة لبناء كنيسة في جليب الشيوخ.

ومن أهم الأحداث التي شهدناها زيارة وزير خارجية الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين إلى الكويت في يناير 2026 للمشاركة في رفع مكانة كنيسة سيدة الجزيرة العربية إلى رتبة “بازيليكا صغيرة”، لتصبح أول كنيسة في شبه الجزيرة العربية تحظى بهذه المكانة؛ وكان هذا مصدر فخر وفرح كبيرين للكاثوليك في الكويت وفي جميع أنحاء المنطقة.

• ما هي الرسالة التي تعتقدين أن الكويت ترسلها للعالم حول التعايش والسلام؟

– أعتقد أن الكويت تبعث برسالة قوية إلى العالم مفادها أن الحوار والاحترام المتبادل ليس مجرد شعارات أو أفكار نظرية، بل يمكن تحويله إلى واقع عملي نختبره بشكل يومي.

وخلال فترة ولايتي، كنت أرى دائما في القادة والمسؤولين الكويتيين رغبة حقيقية في الحوار البناء والبحث عن أرضية مشتركة، كما أن التزام الكويت بالمبادرات الإنسانية والجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي يحظى بتقدير دولي واسع النطاق.

وترسل الكويت رسالة قوية إلى العالم مفادها أن الحوار والاحترام المتبادل يمكن أن يتحول إلى واقع عملي نختبره كل يوم

وتذكرنا الكويت دائما بأن السلام يبنى من خلال العلاقات الإنسانية والاحترام المتبادل والقدرة على الاستماع للآخرين.

• ما هو أكثر ما تعلمته من الشعب الكويتي؟ هل هناك قيم أو مواقف معينة سترافقك إلى وجهتك القادمة؟

– تعلمت الكثير من الشعب الكويتي، ولكن ربما أهم ما تعلمته هو قيمة الضيافة وأهمية العلاقات الإنسانية. يولي الكويتيون أهمية كبيرة للعائلة والولاء والكرم واحترام الضيوف، وهي قيم لها تأثير عميق على كل من يعيش بينهم.

كما أعجبت كثيرا بالصبر والكرامة التي يواجه بها الناس التحديات والتحديات، والاهتمام بالحياة الأسرية وروح التكافل الاجتماعي من الأشياء التي سأحملها معي أينما ذهبت، وأستطيع أن أقول إن الصداقات التي كونتها في الكويت تمثل واحدة من أثمن الهدايا التي تلقيتها خلال سنوات خدمتي هنا.

وأهم ما تعلمته من الشعب الكويتي هو قيمة الضيافة وأهمية العلاقات الإنسانية.

• بينما تستعد لمغادرة الكويت، ما هي الرسالة التي تود إرسالها إلى القادة الكويتيين والشعب الكويتي والمجتمعات المقيمة التي عملت معها خلال هذه السنوات؟

– بداية أود أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى حضرة صاحب السمو الأمير وسمو ولي العهد والحكومة الكويتية وكل من قدم لي المودة والدعم خلال فترة وجودي في هذا البلد الحبيب.

ولأهل الكويت أقول: أشكركم على كرمكم ولطفكم وانفتاحكم. كيف لي أن أنسى موائد الإفطار والديوانيات والجولات البرية (القشطات) التي أتاحت لي التعرف على الثقافة الكويتية الأصيلة عن كثب خلال شهر رمضان. سأغادر الكويت وأنا أحمل في قلبي الكثير من الحب والذكريات السعيدة.

أما بالنسبة للجاليات المقيمة، وخاصة أفراد الطائفة الكاثوليكية، فإنني أشجعهم على مواصلة تقديم مساهمة إيجابية في خدمة هذا الوطن من خلال التمسك بقيمهم وتقاليدهم ومعتقداتهم. وأدعو الله أن تنعم الكويت دائما بالأمن والاستقرار والازدهار، وأن تظل نموذجا مشرقا للتعايش والاحترام المتبادل في المنطقة.

• ما هو أكثر ما ستفتقده في الكويت، على المستويين الشخصي والمهني؟ ما هو هدفك التالي بعد الانتهاء من مهمتك؟ ما هي النصيحة التي تود أن تقدمها لخليفتك؟

– على المستوى الشخصي، أولاً سأفتقد الناس. البعثات الدبلوماسية تبدأ وتنتهي، ولكن الصداقات الحقيقية تبقى. سأفتقد دفء الناس، والمحادثات التي أجريتها معهم، والشعور بالانتماء للمجتمع والتقارب الذي شعرت به في الكويت.

على المستوى المهني، سأفتقد العمل مع الزملاء والشركاء الذين يظهرون دائمًا روحًا إيجابية وانفتاحًا كبيرًا في دعم الحوار والتعاون.

وجهتي المقبلة ستكون جمهورية التشيك، حيث سأعمل سفيرا للفاتيكان في براغ. وعلى الرغم من حماسي لهذا الدور الجديد، إلا أن مغادرة الكويت تجلب معها أيضًا بعض الحزن بسبب الصداقات العديدة التي كونتها هنا.

أنظر إلى الوراء وأقول: استمع للناس بعناية، وابني علاقات ثقة، وقدر ثراء الثقافة المحلية، واستمر في تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل. هناك أسس قوية تم وضعها خلال السنوات الماضية وما زال هناك العديد من الفرص لمواصلة العمل عليها وتحسينها.

• لو طلبت منك تلخيص الكويت في بضع كلمات بعد أن عشت هناك لمدة خمس سنوات، ماذا ستقول؟

– سأعرّف الكويت بأنها “أرض الضيافة والصداقة والأمل”. بلد ملتزم بتقاليده وقيمه الفريدة، ولكنه منفتح أيضًا على العالم. إنه مكان حيث يمكن للأشخاص من أصول وثقافات مختلفة أن يعيشوا معًا في احترام متبادل. كما أنها تقدم نموذجا هاما للتعايش والتضامن الإنساني.

وبينما أغادر الكويت، أدعو الله أن يستمر في مباركة هذا البلد وقيادته وشعبه، وأن ينعم عليه بالسلام والرخاء والوئام، وآمل أن تستمر روح الصداقة والحوار التي خبرتها هنا في النمو والازدهار لصالح الأجيال القادمة.

السابق
ملزمة شاملة للاختبارات المركزية والنهائية لمادة الرياضيات مع الحلول رابع ابتدائي الفصل الثاني 1447هـ
التالي
ملزمة شاملة للاختبارات المركزية والنهائية لمادة الإنجليزي مع الحلول رابع ابتدائي الفصل الثاني 1447هـ

اترك تعليقاً