
الدوحة – هيثم الأشقر :
ويحتل الفن العام مكانة مهمة في المشهد الثقافي والعمراني في قطر، حيث تنتشر الأعمال الفنية في الحدائق والساحات وعلى الشواطئ وفي المناطق السكنية، لتخلق علامات بصرية تعكس ثراء الهوية الوطنية وتنوع رواياتها الثقافية.
تحتوي هذه الأعمال على إشارات إلى التراث والذاكرة الجماعية بتفاصيلها، وتنقل عناصر تاريخ المجتمع وتطوره بطريقة إبداعية مفتوحة للجميع. وأكد عدد من الفنانين في تصريح لـ«الراية»، أن هذه الأعمال تظهر كيف يمكن للفن العام الحفاظ على الذاكرة الثقافية وضمان استمرار وجودها، مما يتيح التواصل التاريخي في بيئة سريعة التطور.
كما ذكروا أنها تساهم في إثراء الفضاء العام وزيادة التفاعل بين الأفراد والمساحات من خلال تجارب ثقافية مشتركة تتجاوز حدود قاعات العرض التقليدية. ومن خلال توزيعها المدروس في الأماكن العامة، أصبحت العديد من الأعمال الفنية العامة في قطر جزءًا لا يتجزأ من نسيج الحياة اليومية، بما في ذلك الذكريات الشخصية والتفاعلات الاجتماعية مع مرور الوقت. ومع تزايد حضور الفن العام في مختلف أنحاء البلاد، أصبح عنصرا أساسيا في المشهد الثقافي في قطر ووسيلة فعالة لإقامة حوار بين الفن والمجتمع وإبراز البعد الإنساني للمكان. وتؤكد هذه الإبداعات دور متاحف قطر في مد جسور التفاعل الثقافي خارج الجدران المؤسسية، مما يجعل من الفن حوارا حيا في المجال العام. وهكذا يتجاوز الفن العام حدود المشهد اليومي المعتاد ويصبح تجربة إنسانية، وحواراً متواصلاً يجمع الذاكرة والفضاء والمجتمع.
علي حسن الجابر: «حكمة الوطن» تجمع بين الهوية الوطنية والشعر
المحتويات
وتجسد أعمال الفنان علي حسن الجابر «حكمة وطن» (2019) التقاطع بين الهوية الوطنية والتعبير الشعري، مستوحاة من القيم الثقافية والتاريخية التي قامت عليها دولة قطر. ويعتمد العمل على عناصر اللغة العربية والشعر والخط، مما يؤكد الدور الذي تلعبه هذه المكونات في تشكيل الوعي الثقافي للمجتمع وربط تراث الماضي بالحاضر.
ويعتمد العمل بصرياً على اللونين العنابي والأبيض المستوحى من علم قطر، ويتضمن العمل ثلاث أبيات شعرية للشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، مؤسس دولة قطر الحديثة. وتعكس الآيات معاني الإيمان واليقين والتوكل على الله، وتستحضر قيماً راسخة مرتبطة بتاريخ وهوية المجتمع القطري.
وأكد علي حسن الجابر أن ارتباطه ببيئة قطر وتراثها يشكل المصدر الرئيسي للإلهام في معظم أعماله الفنية، لافتا إلى أن لوحة “حكمة وطن” تحمل بعدا ثقافيا وتاريخيا خاصا إذ تجمع بين رمزية العلم القطري والكلمات الشعرية للمؤسس في صياغة فنية معاصرة. وقال: استغرق إنجاز العمل أكثر من ستة أشهر، حيث حرص متحف قطر الوطني على الجمع بين الكلمات والزخرفة الفنية لإثراء تجربة زواره. وأضاف: إن الرضا الذي لاقته فكرة العمل منذ طرحها الأولي كان حافزاً لتقديم رؤية إبداعية تعكس عمق وتاريخ الهوية الوطنية.
سلمان الملك: “الأعلى يا بحر”. جسر بين الماضي والحاضر
وأكد سلمان المالك أن عمله الفني الذي يحمل عنوان «توب توب يا بحر»، والذي يدور حول ساحل الدوحة، يأخذ اسمه من نشيد قطري تقليدي يرتبط بالبحارة والبحر، مستحضراً عصر الغوص على اللؤلؤ والمشاعر الإنسانية والتجارب الاجتماعية العميقة التي تصاحبه. وأوضح أن الدراسة تمثل حالة الانتظار التي تعيشها النساء خلال مواسم الغوص الطويلة حيث ينتظرن عودة أفراد الأسرة من الرحلات عبر قطر والخليج.
وقال صاحب العمل: “هذا العمل يدور حول الانتظار الصامت العالق في القلب وأصوات النساء اللاتي ينادين البحر ليعيدن أهلهن يوماً ما”.
وذكر أنه اختار هذا الموضوع بهدف بناء جسر بين الماضي والحاضر، ولأخذ عناصر العمل من الهوية التاريخية والثقافية للمنطقة. وأضاف: بدلاً من تقديم صورة كاملة أو وصف دقيق للمشهد، تعمد الابتعاد عن السرد المباشر باستخدام إشارات ورموز بصرية دقيقة، تاركاً المجال للمشاهد للمشاركة في تفسير العمل واستكمال تفاصيله.
بشاير البدر: «الحب الأبدي» له أبعاد عاطفية وتعبيرية
يقدم عمل الفنان بشاير البدر «الحب الذي لا نهاية له» رؤية معاصرة تستكشف مفاهيم الحب والتواصل الإنساني من خلال تركيبات خطية انسيابية تحمل أبعاداً عاطفية ومعبرة. ومؤكداً أن العمل يجسد إيمانه بقوة الأحلام وقدرتها على خلق تأثير يتجاوز حدود الفرد، قالت بشاير البدر: «بالنسبة لي، عمل «الحب الأبدي» يجسد فكرة أن إيماننا بالحلم يحوله إلى واقع ملموس، ويمتد تأثيره ليشمل العالم أجمع». تمنح الخطوط المرنة والبنية المرئية المفتوحة للعمل مجالًا واسعًا من التفسير، مما يسمح لكل مشاهد بإقامة علاقته الخاصة مع العمل بناءً على تجاربه ومشاعره الشخصية.
شوق المانع: «عقل»… يجسد قيم الانتماء والتماسك الأسري
تحمل منحوتة “العقال” للفنانة شوق المانع دلالات الهوية الوطنية والوئام المجتمعي، إذ أن تصميمها مستوحى من العقال، أحد أبرز عناصر الزي القطري التقليدي الذي يرتديه الرجال فوق الغترة أو الشماغ. ويقع التمثال على ممشى مارينا لوسيل، حيث يجسد قيم الانتماء والروابط الأسرية والاعتزاز بالتراث الثقافي القطري من خلال تكوينه الفني. وأكدت شوق المانع أن العمل يعتمد على الشكل الشكلي بأحجام وارتفاعات مختلفة، مشيرة إلى قوة الروابط التي تجمع الأسرة القطرية والتزامها بتقاليدها وعاداتها وهويتها العريقة. كما يعبر العمل عن التقدير لتاريخ دولة قطر وتراثها الثقافي، ويجسد رسالة الولاء والاحترام لقادة الدولة ومواطنيها ومقيميها.