اسأل بوكسنل

مراكز تحفيظ القرآن في غزة.. نقاط إيمانية تنبعث منها تراتيل الآيات لتداوي نفوس أتعبتها الحرب

غزة – قنا :

إن الحرب المدمرة التي بدأها الوجود الإسرائيلي، والتي عصفت بقطاع غزة منذ أكثر من عامين، وما خلفته من دمار كبير، لم تكن كافية لإطفاء نار الإخلاص في نفوس الغزيين الذين تعلموا القرآن الكريم وحفظوه؛ وتحولت أنقاض المساجد المهدمة وزوايا الخيام والساحات والمساجد المؤقتة البديلة إلى نقاط تدريس دينية تُنشد فيها آيات تبشر ببداية نوع مختلف من الدين. هذه هي مرحلة الشفاء النفسي والروحي وإعادة بناء فلسطين. منهك من الحرب.
وعلى الرغم من الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية والمؤسسات الدينية والتعليمية والمساجد ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، إلا أن قطاع غزة يشهد خلال عامين من الحرب حراكاً رسمياً ومدنياً واجتماعياً كبيراً لإعادة تنشيط مراكز تحفيظ وتدريس القرآن الكريم كأداة فعالة للتعافي الروحي والنفسي واستعادة الموارد البشرية التي استنزفتها الحرب المدمرة.
وفي هذا السياق أكد رامي الشقراء مسؤول مركز النور لتحفيظ القرآن الكريم وعلومه في قطاع غزة، أن العمل في المركز يمثل محاولة لاستعادة وبناء الذات الفلسطينية في مواجهة تداعيات الحرب ومحاولات تقويض كافة جوانب الحياة منذ عامين.
وأوضح الشقراء في تصريحه لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ أن مدرسة النور القرآنية بنيت على أنقاض ما دمره الاحتلال، مضيفا أن التركيز الآن “على استعادة العنصر وأهم مورد بشري وهو الإنسان، وإعادة بناء الفرد الذي أنهكته الحرب القاتلة والمميتة من خلال برنامج قرآني وتعليمي موسع”.
وذكر أن المركز يستضيف حالياً ما يقارب 800 طالب وطالبة من مختلف الفئات العمرية، من الأطفال (البراعم) إلى كبار السن الذين تزيد أعمارهم عن 60 عاماً، ويتم تخصيص برامج خاصة لهم تتناسب مع أعمارهم، لافتاً إلى أن هذا النظام يدار من خلال كادر تعليمي وتدريبي يتكون من نحو 60 مشرفاً وولي أمر.
وعن طبيعة البرامج المقدمة للطلبة في ظل الظروف الحالية، أوضح الشقراء أن برنامج المركز لا يقتصر على الجانب الدعوي والتحفيظ التقليدي، بل ينطلق من رؤية تأهيلية وتربوية ونفسية متكاملة تهدف إلى دمج القرآن الكريم في التفاصيل اليومية للمواطنين كوسيلة للشفاء الروحي والتغلب على الصدمات.
وأضاف في كلمته: “قمنا بإعداد منهج تعليمي متكامل يناسب جميع الفئات العمرية عند انتهاء العدوان. ويتضمن هذا البرنامج تركيزاً رئيسياً على الراحة النفسية والعاطفية للطلاب، يشرف عليه نخبة من الأخصائيين النفسيين والمرشدين لإعادة بناء شخصية وروح الفرد، فضلاً عن برنامج تعليمي يستعرض الأمثال القرآنية وسيرة الصحابة والنبلاء والشخصيات الإسلامية والتاريخية المؤثرة للتواصل مع جذور الجيل وهويته”.
وأكد محمد أبو شعبان رئيس مراكز تحفيظ دار القرآن والسنة بغزة، استمرار رسالة القرآن في القطاع، رغم الصدمة العميقة التي سببها تدمير مئات المساجد، وأكد أن الإصرار لم يسمح للأوساط التعليمية بالتوقف.
وأوضح أبو شعبان في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ أن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سارعت، بالتنسيق مع الجمعيات والمراكز المعنية ودار القرآن الكريم والسنة، إلى توفير مساجد وخيم بديلة في الساحات المجاورة للمساجد المهدمة، في إطار خطة “مرحلة استرداد وانبعاث القرآن”، مع تطبيق معايير أمنية وتعليمية مشددة تضمن سلامة الطلاب والأهالي. استمرارية المجتمع. الدوائر في ظل الظروف الميدانية المتقلبة.
وأشار إلى أن الحلقات القرآنية أصبحت ملجأ نفسيا للأطفال النازحين، حيث تمنحهم روتينا يوميا يعيد لهم الشعور بالاستقرار، فضلا عن تعزيز قيم الصبر والتخفيف من الآثار السلوكية الصعبة التي خلفها النزوح طويل الأمد.
وعن التحديات التي تواجهها مراكز ومدارس القرآن الكريم، قال أبو شعبان: “لدينا نقص كبير في المصاحف والإضاءة والبيئة الهادئة المناسبة، لكننا نتعامل مع هذا الواقع بمرونة من خلال استعارة القرآن من المنازل أو مشاركته بين الطلاب، وعقد جلسات خلال النهار للاستفادة من الضوء الطبيعي، وتقسيم الجلسات إلى فترات متعددة لضمان مشاركة أعداد كبيرة من الناس”.
وأضاف “نحاول سد الفجوة في الكادر التدريبي من خلال إعادة توزيع المحافظين وطلب المساعدة من المتطوعين وتدريب مساعدين جدد”.
ووصفت هداية الفرا (56 عاما)، وهي أم لثمانية أطفال ترتاد ابنتها الصغرى نفس المدرسة في مدرسة النور، تجربتها مع مراكز تحفيظ القرآن الكريم بعد أن فقدت منزلها، بعبارات حية تعكس عمق الأثر الإنساني لهذه المراكز.
وقال في حديث لـقنا: “خلال الحرب والنزوح المرير، عانينا من تدمير منزل عائلتنا وتم وضعنا في المخيمات، لكن هذا الألم لم يكسر عزيمتنا، بل لجأنا إلى القرآن الكريم ليمدنا بالإيمان والطاقة الإيجابية ويدفعنا للنهوض من جديد”.
وأضاف: “مدرسة القرآن كانت دافعاً كبيراً لنا لحفظ كتاب الله واكتساب العلم الشرعي والفقه. وبعد كل ما مررنا به من فقدان الأهل والأحباب والظلم والتشريد، وجدنا في كتاب الله الملاذ الآمن والتمسك بالقوة والطمأنينة لنبدأ حياتنا من جديد”.
وبحسب الإحصائيات والتقارير الرسمية، فإن المساجد في قطاع غزة، بما فيها مراكز تحفيظ وتعليم القرآن الكريم، تعرضت خلال عامين من الإبادة الجماعية التي بدأها الجانب الإسرائيلي، إلى تدمير شبه كامل. وتعرض أكثر من 835 مسجداً للدمار الكامل، في حين تضرر أكثر من 180 مسجداً بشكل جزئي، مما أدى إلى توقف الشبكة الرسمية لمراكز التحفيظ بشكل كامل. لكن المؤسسات الرسمية والجمعيات والمبادرات الخيرية التي تستحضر الفردية وإقامة المصليات والخيام المؤقتة لتحفيظ القرآن الكريم، حاولت خلق بدائل، ولو مؤقتة، تظهر قدرة المجتمع الفلسطيني في غزة على تطوير أدوات مرنة لمواجهة الأزمات الإنسانية والنفسية العميقة التي خلفتها سنوات الحرب القاتلة.

السابق
اختبارات انجليزي الفترة الثانية للصف الخامس والسادس الابتدائي مع الحل فيديو
التالي
اختبارات انجليزي الفترة الثانية للصف الرابع الابتدائي مع الحل فيديو

اترك تعليقاً