اسأل بوكسنل

مكة.. وابن إدريس.. والميدان يسع الجميع

ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
مكة.. وابن إدريس.. والساحة تتسع للجميع اليوم السبت 25 أبريل 2026 06:45

في مكة لا تتجاور الأجساد فحسب، بل تتجاور الطوائف أيضا، وتلتقي الثقافات، وتذوب الاختلافات، وعلى مسرح عنوانه العام مراد الله… هناك، عند سفح “جبل حراء”، حيث نزلت ونزلت أولى كلمات الهدى، صلى الله عليه وسلم على سيد خلق الله، الإنسان، سواء أحس بذلك أم لم يشعر، أوسع من تصنيفاته، وأهدأ وأهدأ من اختلافاته. يتم تدريبه ليكون. أقرب إلى الجوهر؛ وحضرت هناك مساء الثلاثاء 19/10/1447هـ ندوة “القيم المكية” بدعوة كريمة من مركز عبد الله بن إدريس الثقافي ومنطقة حراء الثقافية، والتي ذكرتها في منشور إلكتروني تلك الليلة. إلا أن هذه النصيحة لا تكتمل على عجل، بل تكتب عندما تهدأ النفس ويستقر المعنى.

ولعل من أعمق ما علمته “العاصمة المقدسة” للناس هو قيمة التعايش وقبول الآخر. ليس كشعار مطروح، بل كواقع معاش. في مكان ما ترى من يختلف عنك في الطائفة أو اللغة أو المظهر ولكن ليس في الاتجاه، وهناك تختفي معظم الحواجز التي اعتاد عليها الناس خارجه ويختفي الصوت الإقصائي، لأن ذلك المكان نفسه يدربك على أن تكون أوسع من ضيق الانتماءات؛ إن العيش معًا ليس ترفًا أخلاقيًا ولا محادثة عرضية مثالية. بل هو واجب يضمن الحفاظ على وحدة الشعب وهدف الاجتماع. أولئك الذين لم يتعلموا كيفية إدارة الصراع في مكة فاتتهم الكثير من مضامينه.

بالمعنى المتقدم، بدت ندوة «القيم المكية» أقرب إلى كونها أسلوب حياة، وليست كلمة تُتلى. وقد سمعنا أنها عميقة الجذور وتربط الجذور العريضة لمكة بأفقها المعاصر، كما قالها ثلة مباركة من أهل العلم والفكر والقلم والفضيلة، وهي ليست إرث الكرم والسخاء وحسن الجوار والصدق والحنين، بل سيرة مدينة استمرت عبر العصور في تربية الإنسان ليكون أعلى من هواه وأوسع من مصالحه الضيقة. وكانت خطاباتهم امتدادًا لرسالة المكان. للتذكير بأن هذه القيم ليست ماضٍ يُحكى، بل حاضر يُبنى ومسؤولية يجب تحملها.

وكان من أجمل جوانب الندوة تذكير الحضور باسم الأديب الكبير عبد الله بن إدريس (رحمه الله). لم يذكر هذا الاسم من باب الأدب، بل يُذكر باعتباره أحد أعمدة الثقافة في بلادنا، وأحد الرموز التي تركت أثرا لا يمكن اختصاره بسيرة أو عنوان. ولعل أجمل ما ذكر هو البر الحي لأولاده. إنه وفاء لا يبقى عند حدود العاطفة، بل يعيد تقديم اسم والدهم كمشروع، والذاكرة إلى مبادرة، وإرثهم إلى عمل متجدد، كطاقة تبقي الماضي حياً وتحرك الحاضر والمستقبل، وهنا يتضح الفرق بين من يذكر أسمائهم ومن يقدم لهم أسباب البقاء. الأول الولاء، والثاني الوعي، ونحن بحاجة إلى وعي يدرك أن المشاريع إذا بقيت تبشيرية سيقل تأثيرها، وإذا تم ضمها إلى المؤسسة سيطول عمرهم ويتجنبون كثرة الكلام.

وأختتم كلامي بالتذكير والتأكيد على أن مكة لم تقض على الخلافات بشكل أساسي، بل حسنت حكمها. يعلمك أن تكون صادقًا مع قيمك الخاصة دون التضييق على الآخرين، وأن تدرك أن الاتساع ليس ضعفًا بل كمالًا. ولا شك أنه إذا تم حمل هذه القيم بعقل مؤسسي وروح صادقة، فإنها لن تقتصر على مكان بل سيتسع نطاق تأثيرها في المجتمع. تُفهم القيم بهذه الطريقة عندما تُعاش، وتبقى على هذا النحو عندما تُدار، وهكذا يجب أن تتوسع التفاهمات.

السابق
اختبار الفترة الثانية المهارات الحياتية ثاني متوسط الفصل الثاني
التالي
اختبار الفترة الثانية المهارات الرقمية ثاني متوسط الفصل الثاني

اترك تعليقاً