اسأل بوكسنل

أزمة الجامعة بين تسريبات متداولة وتساؤلات معلقة

ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
الأزمة الجامعية بين التسريبات المتداولة والأسئلة المعلقة اليوم الأربعاء 22 أبريل 2026 22:53

لم يكن الجدل الذي رافق التغييرات الأخيرة في جامعة الملك سعود مفاجئا، بل كان متوقعا. وعندما تنتشر الأخبار همسا، وتكون الآراء مبنية على تسريبات غامضة، فلا يؤدي ذلك إلا إلى تعليقات مربكة وأسئلة غير مريحة.

وعندما سمع عشرات الآلاف من أعضاء هيئة التدريس والطلاب عبر القنوات غير الرسمية خبر إلغاء البرامج الأكاديمية، بما في ذلك التخصصات الإنسانية والاجتماعية واللغوية، دون مبرر واضح أو تفصيل كامل؛ إن أزمة ثقتهم بقرارات الجامعة هي واقع لا مفر منه، ويتسع نطاق هذه الأزمة مع تزايد الأسئلة المزعجة التي لا يمكن إيجاد إجابات واضحة ومطمئنة لها.

كيف نشأت الأزمة؟
وفي عام 2022 صدر أمر ملكي بتحويل جامعة الملك سعود إلى مؤسسة أكاديمية مستقلة غير ربحية تحت مظلة الهيئة الملكية لمدينة الرياض، ومنذ ذلك الحين تعمل إدارة الجامعة بكل جد ودقة لتحقيق هذا التحول. إلا أن هذه الجهود الميمونة لم تصاحبها مشاركة فاعلة من الجهات المعنية، وقد ظهر ذلك بوضوح في ردودهم ومناقشاتهم على منصات التواصل الاجتماعي.

وما زاد من حدة هذه المناقشات هو الافتقار إلى “السرد الاستراتيجي” لهذه التغييرات. كل ما وصل إلى أذنيه نقاشات مجزأة وتسريبات متناقضة نابعة من ما تردد من كلمات للمشاركين في اجتماع حول اعتماد استراتيجية الجامعة الجديدة، فضلا عن تعاميم مقتضبة بشأن مسارات القبول الجامعي للعام الدراسي المقبل.

التغيير قانون عالمي وطبيعة حتمية. إن الظروف من حولنا تتغير، والبيانات التي لدينا تتغير، وبالتالي فمن الواضح أن هذا التغيير ينعكس على حياة الأفراد والمؤسسات والمجتمعات. ومع ذلك، تؤكد أدبيات إدارة التغيير أن إشراك أصحاب المصلحة وتحسين التواصل الاستراتيجي معهم ليس خيارًا بل شرطًا لنجاح أي تغيير أو تحول.

الأسئلة المعلقة
وعندما بدأت عدد من القنوات غير الرسمية في بث تسريبات بشأن التغييرات، ظهرت أسئلة كثيرة لا تزال معلقة ومقلقة، بما في ذلك:
وما طبيعة وتفاصيل هذا التحول؟ ما هي البرامج الأكاديمية التي تتأثر؟ هل تم إلغاء هذه البرامج بالكامل أو أعيد تصميمها لمواكبة الاحتياجات والرغبات؟ فهل تواكب هذه التغييرات الاحتياجات الحالية والمستقبلية؟

وما هي أهداف وأبعاد هذه التغييرات؟ هل تريد مواكبة سوق العمل؟ أم لتخفيف الأعباء المالية؟ أم كان الدافع وراء ذلك هو السعي لتحقيق قفزات سريعة في المؤشرات الدولية؟

ماذا سيحدث لأعضاء هيئة التدريس والطلاب المنتسبين للبرامج الأكاديمية المتضررة؟ هل الأفضل أن يستمر الطلاب حتى التخرج أم عليهم التفكير في مستقبلهم والانتقال إلى برامج أخرى إذا رأت الجامعة أن برنامجهم الحالي لا فائدة منه؟

وهل ستتحول الجامعة من مؤسسة تنتج الابتكار والمعرفة إلى مركز للكفاءة المهنية، تركز على تدريب الطلاب بتخصصات دقيقة ومهارات وظيفية، بدلاً من إعداد الطلاب بعلوم محددة ومهارات فنية؟

إن ربط التعليم بسوق العمل هدف مشروع، ولكن هل من الصواب التقليل من قيمة التعليم بالنسبة للأمن الوظيفي؟ أم أن دور الجامعة سيتجاوز هذا ليشمل قضايا أخرى مثل تشكيل الهوية، وبناء الفكر، وتعزيز الأخلاق، وخلق المعرفة، وإنتاج البحوث والدراسات في مختلف العلوم والمجالات؟

لماذا لم تنطبق الجامعات العالمية العريقة والمتقدمة في التصنيف العالمي على مقترح جامعة الملك سعود بإلغاء البرامج الأكاديمية في التخصصات الإنسانية والاجتماعية؟

تعتبر العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغوية ركيزة أساسية لرؤية المملكة 2030 وجزء لا يتجزأ من العملية التقنية والصناعية. هل سيحصل طلاب الجامعات على ما يحتاجونه منهم أم سيتعين عليهم التعلم من مصادر تعليمية أخرى؟

تتمتع الجامعة بمواهب متنوعة وعقود من الخبرة، ولها ذراع استشاري يقدم خدماته للعديد من المؤسسات الحكومية والخاصة؛ فلماذا اختار دفع مبالغ كبيرة للحصول على مساعدة الآخرين في صياغة استراتيجيته؟

رداً على مثل هذه الأسئلة، أصدرت الجامعة بياناً توضيحياً؛ لكن طبيعة تصريحه المختصرة والمبهمة زادت من تفاقم الأزمة ودقت مسماراً آخر في نعش الثقة!

هل الجامعة فرع أم بانٍ لسوق العمل؟
سؤال مثير للجدل على مدى عقود متعاقبة، لكن النظرة العادلة والمعتدلة ترى أن العلاقة بينهما علاقة تفاعلية وأي محاولة لاختزالها في جانب واحد ستؤدي إلى سياسات وأهداف تربوية ناقصة.

يخلق سوق العمل احتياجات حالية للخبرات الأكاديمية والمهارات الوظيفية، فلا ضرر من تلبية الجامعة لهذه الاحتياجات. ولكن من ناحية أخرى، فإننا ندرك أيضًا أن سوق العمل “ضيق الأفق” بطبيعته ويتقلب لأنه يركز على احتياجات اليوم دون أن يأخذ في الاعتبار احتياجات الغد. وهذا هو دور الجامعة في الحفاظ على العلوم الأصيلة، وإعادة تصميمها لمواكبة المتغيرات، وخلق معارف جديدة تلبي الاحتياجات الحالية والتوقعات المستقبلية، وبالتالي المساهمة في تدريب العقول التي تواكب الاحتياجات الحالية وإرساء أسس القطاعات الاقتصادية المستقبلية.

وخلاصة القول أن سوق العمل يعد أحد مدخلات استراتيجيات المؤسسات التعليمية. فهو يرسل إشارات تتلقاها الجامعات في سعيها لتحقيق أهدافها وإنجازاتها (مسار القيادة) والسعي إلى تعظيم مخرجاتها وتأثيرها (مسار الاستجابة).
تجارب عالمية

وما فعلته جامعة الملك سعود لم يكن في الواقع ابتكاراً في هذا الصدد؛ بل على العكس من ذلك، كان يتماشى مع ما كانت تفعله الجامعات العالمية. لكن الاختلاف كان في كيفية إدارته للتحول!
تؤكد النماذج العالمية في إدارة التغيير، مثل نموذج كوتر المكون من 8 خطوات ونموذج أدكار، أن المشاركة المبكرة لأصحاب المصلحة هي شرط أساسي لنجاح أي تغيير. وتؤكد المنظمات الدولية المعنية بالتعليم، مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، أن إشراك الأساتذة والطلاب والمجتمع في القرارات الأكاديمية يزيد من جودة النتائج واستدامة التغييرات.

وعندما أدركت أفضل الجامعات العالمية ضرورة إشراك أصحاب المصلحة في عمليات صنع القرار، وأهمية الشفافية وضرورة زيادة التواصل الاستراتيجي معهم، تمكنت من إدارة التغيير والتطوير. على سبيل المثال: لم تقم جامعات هارفارد، وستانفورد، وأكسفورد، وكامبريدج بإلغاء العلوم الإنسانية والاجتماعية، بل استجابت للتغيرات من خلال إعادة تصميمها أو دمجها مع برامج أخرى زادت من عمقها وتأثيرها.

لذلك، قال عميد كلية العلوم الإنسانية والفنون والعلوم الاجتماعية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، د. ليس من المستغرب أن يؤكد أوغستين رايو على أن تعزيز العلوم الإنسانية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ليس انحرافًا عن مهمته الأساسية، بل هو وسيلة لضمان استمرار ريادته التقنية عالميًا. وأعرب عن ذلك في كلمته الأسبوع الماضي بمناسبة الذكرى الـ75 لتأسيس الكلية.

ونتيجة لذلك فإننا نؤمن بأن إدارة الجامعة تتمتع بالنزاهة والكفاءة لاتخاذ القرارات ونؤمن بجهودها لتكون ناجحة. إلا أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بإذن الله بمشاركة المعنيين في بناء هذا العمل والاطلاع على تفاصيله والمشاركة الفعالة في تقييمه وتطويره.

ألم يحن الوقت لإزالة هذا الغموض في جامعتنا العريقة والإجابة على هذه الأسئلة العالقة؟

لا يتم بناء الثقة من خلال القرارات فحسب، بل من خلال وضوحها ومشاركة الموظفين في اتخاذ تلك القرارات؛ لتبقى الجامعة – كما نعرفها – منارة للمعرفة بنتها بأيدي أبنائها المخلصين.

مقهم@

السابق
مراجعة الوحد من 7 إلى 12 إنكليزي أول ثانوي الفصل الثاني
التالي
مراجعة الوحد 7 و 8 و 9 إنكليزي ثالث متوسط الفصل الثاني

اترك تعليقاً