
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
كيف تحول المسكن إلى أزمة أفيونية هائلة اليوم الأربعاء 15 أبريل 2026 21:01
يحتوي أوكسيكونتين على أوكسيكودون، وهو عضو في عائلة المواد الأفيونية. هو دواء يستخدم لتسكين الآلام الشديدة مثل آلام السرطان أو بعد العمليات الجراحية الصعبة. تكمن مشكلة هذه الأدوية في أنها ذات شقين: فمن ناحية، توفر مسكنًا قويًا للألم وتساعد المرضى عندما لا تعمل الأدوية العادية؛ ومن ناحية أخرى، فإن احتمال إدمانه مرتفع ويمكن أن تسبب الجرعات العالية منه اكتئاب الجهاز التنفسي والوفاة. تروج بوردو للأوكسيكونتين كحبوب “طويلة المفعول” تطلق الدواء تدريجيًا على مدار 12 ساعة، قائلة إن هذا الإطلاق البطيء يقلل من احتمالية الإدمان مقارنة بالمواد الأفيونية سريعة المفعول. ومع ذلك، كما ادعت الشركة، لم يكن هناك دليل علمي قوي يدعم هذا الادعاء.
كان النهج الطبي في الولايات المتحدة في تلك المرحلة هو علاج الألم باعتباره أحد الأعراض “المهملة”. وبدأت المستشفيات تتحدث عن “الألم باعتباره العلامة الحيوية الخامسة”، وتزايد الضغط على الأطباء لتقليل شكاوى الألم لدى المرضى ووصف علاجات أقوى إذا لزم الأمر. هذا هو المكان الذي تجد فيه بوردو فرصتها؛ لذلك قمت بإنشاء جيش من مندوبي المبيعات الذين يزورون الأطباء والعيادات باستمرار، ويحملون كتيبات ترويجية ومحاضرات تثقيفية وهدايا ووجبات، ويكررون رسالة واحدة: إذا تم استخدام الأوكسيكونتين على النحو الموصوف، فإن خطر الإدمان نادر جدًا. وصدق كثير من الأطباء هذه الرسالة، ظنا منهم أنها مبنية على بحث متين، في حين أنها في الحقيقة مبنية على بيانات ضعيفة ومصادر غير مناسبة.
لم تقم الشركة بتسويق الدواء لعلاج الحالات الحرجة مثل السرطان فحسب، بل دفعت أيضًا لاستخدامه في علاج الآلام المزمنة الشائعة مثل آلام الظهر وآلام المفاصل ومشاكل العظام. وهكذا تغيرت حالة الدواء من مسكن ثقيل يجب استخدامه بحذر شديد إلى خيار “عادي” نسبيًا في علاج الألم المزمن لعدد كبير من الناس. وكانت النتيجة انفجارا في عدد الوصفات. يتم توزيع الملايين من الأقراص كل عام وتنتشر في جميع أنحاء المنازل والصيدليات والمجتمعات.
في البداية، بدا كل شيء رسميًا وقانونيًا: كتب الطبيب وصفة طبية، وصرفت الصيدلية الدواء، ووقفت شركة أدوية معروفة وراء المنتج. لكن مع مرور الوقت ظهرت المشاكل. بدأ بعض المرضى في تطوير القدرة على تحمل الدواء. وهذا يعني أن الجسم لم يعد يستجيب للجرعات المعتادة، لذلك يحتاج إلى جرعات أعلى للحصول على نفس التأثير. ووجد آخرون أنه إذا تم سحق الأقراص أو إذابتها، يتم فقدان خاصية الإطلاق البطيء ويتطور القرص إلى “ضربة” قوية تعطي نشوة تشبه الهيروين. ومع انتشار هذه الأساليب بين الناس، تم إساءة استخدام الأوكسيكونتين على نطاق واسع، وسرقته من المنازل، وبيعه في السوق السوداء، وتحول من وصفة طبية إلى دواء شائع في بعض المجتمعات.
وفي الوقت نفسه، بدأت الأرقام المثيرة للقلق في الارتفاع: فقد زادت حالات الإدمان والجرعات الزائدة والوفيات المرتبطة بالمواد الأفيونية، بما في ذلك الأوكسيكونتين. وعلى الرغم من وضوح المؤشرات، إلا أن الكثيرين يتهمون الشركة بالاستمرار في تقليل المخاطر والسعي إلى التسويق العدواني لفترة طويلة جدًا. ولم تكن الهيئات التنظيمية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) صارمة بما فيه الكفاية في البداية؛ التحذيرات الموجودة على ملصق الدواء لا تعكس بشكل كافٍ خطر الاستخدام على المدى الطويل. وتم تشديد التحذيرات في وقت لاحق، ولكن فقط بعد أن بدأ الضرر في الانتشار.
تطورت الأزمة إلى ما يسمى اليوم “أزمة المواد الأفيونية” في الولايات المتحدة؛ يصبح العديد من الأشخاص مدمنين على الأدوية التي وصفها لهم الأطباء في الأصل لعلاج الألم. عندما بدأت السلطات والسلطات الصحية في تقييد وصف المواد الأفيونية، لجأ بعض المرضى إلى السوق السوداء للحصول على بدائل أرخص وأكثر سهولة مثل الهيروين. ومع ظهور الفنتانيل، وهو مادة أفيونية اصطناعية قوية للغاية، تضاعفت الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة، لتصل إلى عشرات الآلاف سنويا. صحيح أن الفنتانيل هو السبب الرئيسي للوفاة اليوم، ولكن كما يشير العديد من الخبراء، كانت البداية هي الإفراط في وصف المواد الأفيونية الطبية، وخاصة الأوكسيكونتين.
في مواجهة هذا الواقع القاسي، واجهت شركة بوردو فارما ومالكتها، عائلة ساكلر، العديد من الدعاوى القضائية من الولايات والمدن والقبائل ومنظمات الرعاية الصحية والأسر المتضررة. وأظهرت الوثائق والتحقيقات أن الشركة تعمدت التقليل من مخاطر الإدمان والترويج لصورة مطمئنة وكاذبة عن سلامة الدواء على المدى الطويل. وفي عام 2007، اعترفت إحدى الشركات التابعة للشركة والعديد من كبار المسؤولين بالتسويق المضلل، ودفعوا غرامات بمئات الملايين من الدولارات. لكن ذلك لم يمنع استمرار الحالات وتصاعدها.
أعلنت شركة بوردو إفلاسها في عام 2019 تحت ضغوط مالية وقانونية هائلة. ولم يكن هدفها الإغلاق الفوري، بل استخدام قانون الإفلاس كآلية لدمج آلاف القضايا في ملف واحد والاتفاق على تسوية شاملة يتم من خلالها توجيه مليارات الدولارات إلى برامج العلاج والوقاية والدعم للمناطق المتضررة. تتضمن الخطط المقترحة تخلي عائلة ساكلر عن ملكية الشركة وإعادة توجيه المنظمة الجديدة للتركيز على علاج الإدمان وعلاج جرعات المخدرات الزائدة، مع ذهاب الأرباح إلى المجتمعات بدلاً من المالكين السابقين. لكن بعض بنود الاتفاقية، وخاصة تلك التي تحمي الأسرة من الدعاوى القضائية المستقبلية، أثارت غضبًا واسع النطاق قبل تغيير الصيغة والموافقة على تسوية بمليارات الدولارات.
عزيزي القارئ، لتلخيص الدرس الذي يمكن تعلمه من هذه القصة، يمكن القول إن هناك تحذيراً عالمياً من لحظة تحول المريض إلى «سوق» والألم إلى «فرصة عمل». وعندما تجتمع الدعاية المضللة، والضغوط على الأطباء، وضعف الرقابة، مع حاجة الناس الحقيقية لمسكنات الألم في المقام الأول، فإن النتيجة تكون كارثية. إن قصة بيردو وأوكسيكونتين ليست مجرد حلقة في تاريخ دواء واحد، بل هي جرس إنذار لجميع أنظمة الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم حول خطورة السماح لقرارات العلاج أن تكون مدفوعة بالتسويق، دون توازن حقيقي بين مصالح المريض والربح التجاري.
@nabilalhakamy