
لم يعد الفضاء الرقمي مجرد منصة لتبادل الأفكار. بل تحولت إلى ساحة معركة عابرة للحدود، حيث تُشن حرب «باردة»، تستهدف العقول والوعي الجمعي.
إن ما نواجهه اليوم من “أحاديث عفوية” أو “توجهات ساخنة” بين مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في الدول، ليس إلا نتاج عمليات منظمة تدار باحترافية عالية في غرف العمليات السيبرانية، باستخدام الذكاء الاصطناعي كقوة ضاربة لزرع الفتنة والصراع.
اللجان الإلكترونية
يكشف رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز الأبحاث العربي الدكتور محمد محسن رمضان، أن “اللجان الإلكترونية” لم تعد مجرد أفراد بأسماء وهمية، بل هي أنظمة تقنية ضخمة تعتمد على “مزارع الحسابات”.
وأوضح رمضان أن هذه الأنظمة تقوم بإنشاء آلاف الهويات الرقمية باستخدام أرقام افتراضية وخوادم موزعة جغرافيا يصعب تتبعها. تمر الحسابات المزيفة بمراحل “معالجة” تبدأ بتكوين شخصية طبيعية تنشر محتوى عامًا لاكتساب المصداقية.
نهج يعرف بـ”الذباب الإلكتروني”، يتم إدارته وفق سيناريوهات محددة بهدف تضخيم قضايا معينة والوصول إلى مرحلة “التنشيط الجماهيري” لإيهام المستخدمين بوجود رأي عام واسع، لطرح نقاط حساسة وتعميق الاستقطاب.
ويؤكد خبير الأمن السيبراني أن “الاتجاه” لم يعد مؤشرا حقيقيا للرأي العام، بل أصبح “منتجا مصنعا” من خلال تحميل وسوم معينة في فترات زمنية قصيرة لخداع خوارزميات المنصات.
وأوضح أن الأخطر هو استخدام تقنيات “التزييف العميق” (com.deepfake) وإخراج البيانات من سياقها لخلق “واقع زائف” يؤمن به المستخدمون، بناءً على تحليل البيانات الضخمة (البيانات الضخمة) تقديم رسائل مخصصة تستهدف نقاط الضعف والتوترات الرئيسية داخل المجتمعات.
اعجاب الجمهور
ويحلل اللواء عبد الفتاح عثمان النائب الأول لوزير الداخلية الأسبق لقطاع الإعلام سر نجاح هذا المحتوى في التأثير على الجماهير من الناحية الأمنية والاجتماعية ويؤكد أن الإجابة تكمن في الطبيعة البشرية. يميل الأفراد إلى تصديق ما يتوافق مع معتقداتهم، وينتشر المحتوى العاطفي كالنار في الهشيم بسرعة أكبر من المحتوى العقلاني.
وأشار اللواء عثمان إلى أنه بتكرار الرسائل المضللة تنخفض قدرة الفرد على “التفكير النقدي” ويحول المستخدم دون وعي إلى أداة لنشر الشائعات.
وفيما يتعلق بأدوات الردع، أوضح نائب وزير الداخلية الأسبق، أن التشريعات في مصر والدول العربية تجرم نشر الأخبار الكاذبة والتحريض على الكراهية بعقوبات تصل إلى السجن والغرامات وحجب المنصات، لكنه أكد أن “خط الدفاع الأول” هو الوعي الاجتماعي.
وشدد المسؤول الأمني المصري على أن الحرب الحالية ليست أزمة اتصالات، بل هي “صراع على تشكيل التصور”، مضيفا أن النصر في هذا الصراع لا يتحقق بالحلول التقنية أو الأمنية فحسب، بل بقدرة الإنسان على كشف “الحقيقة” وسط ضجيج “الذباب الرقمي” وتنمية مهارات التحقق لصد الهجمات على العقول قبل الأرض.