
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
لماذا نحب قصص البقاء؟ اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026 الساعة 05:49
منذ القدم، لم تكن البطولة تجسيدًا للجسد الأقوى والأكثر هيمنة، بل هي الأكثر ديمومة. يملؤه الحزن والقلق، ويختبر ضيق الاضطراب وألم المصائب، متكئًا على اليقين، وكما قال الشاعر ابن خفاجة: “وإذا آلمني الاضطراب، يكفيني أن أكون معزي يعقوب ومنقذ يونس”. لذلك، هرتز. لم تكن قصة خروج يوسف من الجب مجرد حدث عابر في السرد، بل من أعمق قصص البقاء في الذاكرة البشرية.
التاريخ مليء بأمثلة مماثلة؛ من بحارة تائهين في البحر ومتاهاته، ناموا بينما تبحر مراكبهم، لكنهم تابعوا دروبهم، محولين تجوالهم إلى خرائط جديدة للعالم، إلى شعوب سرقت أراضيها، لكنها نهضت قبل أن تصل إلى حدودها، مؤمّنة أبديتها. وفي كل مرة، لم يكن البقاء بمثابة عودة إلى ما كان، بل ولادة مختلفة لما كان يمكن أن يكون. لذلك نحن ننجذب إلى قصص البقاء ليس لأنها غير عادية فحسب، بل لأنها تشبهنا أيضًا. إنه يعلمنا درسًا خفيًا وهو أن المعجزات ليست مرئية دائمًا ولكنها يمكن أن تأتي على شكل إصرار عنيد في الحياة.
البقاء ليس في الأساس انتصارًا خارقًا للطبيعة، بل هو خيار داخلي ويقين في الرغبة في الاستمرارية. أن تكون محاطًا دون أن تفقد قيمك، أن تكون مضطهدًا دون أن تضطهد، أن تحيا دون أن تفسدك التجارب، وهذه الشجاعة الحقيقية لا تتعلق بالسيطرة على الآخرين والتكبر، بل تتعلق بالقدرة على كبح جماح ضبط النفس والاستمرار عندما ينجرف الألم تحت أقدامنا. إنها لحظة تبقى في قلوبنا كل يوم، لحظة ننهض فيها من صدمة الخسارة، ونمضي قدمًا رغم الخوف وخيبة الأمل، ونرفض أن تسرق التجربة إنسانيتنا منا.
في كل لحظة نعيشها في صمت، نستمر في تذكير أنفسنا بأن ما نختبره ليس نهاية الطريق، بل فصل من قصة أكبر، وأن الضعف الذي نشعر به هو باب لفهم أعمق للحياة. في قلب هذه اللحظات تكمن الحقيقة التي لا تتغير؛ أي أن البقاء ليس مجرد حدث، بل هو رحلة نحو معرفة الذات وفهم العالم والتمسك بالنور الذي يشرق في داخلنا مهما بدا البحر مظلماً. وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله له من خطاياه. اتفقنا.