اسأل بوكسنل

جودة القضاء تبدأ من جودة الفهم

ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
جودة الحكم تبدأ بجودة الفهم، اليوم الإثنين 19 يناير 2026 الساعة 21:01

غالباً ما يتم تقديم جودة القضاء كنتيجة نهائية، تقاس بسرعة الإجراءات أو عدد القضايا المكتملة، لكن هذا التصور يتجاهل الواقع الأعمق. والحكم القضائي ليس إلا نتيجة مسار سابق، وبداية هذا الطريق هي الفهم. ولذلك، لا يصح الحديث عن نوعية القضاء دون مراعاة نوعية الفهم قبل اتخاذ القرار. لأن صحة المسار وعدالة النتيجة تعتمد على ذلك.

وإذا انتقلنا إلى تعريف الفهم القانوني، نرى أنه مفهوم معقد لا يقتصر على مجرد قراءة المقالات أو دراسة النصوص القانونية. بل يشمل فهم الحقائق في سياقها الصحيح، وفهم النص من حيث المعنى والمقصد، وفهم حجج المعارضين وادعاءاتهم كما هي، وليس على سطح أقوالهم. وهذا الفهم المتكامل هو ما يمكن القاضي من خلق قرار متوازن لا يقلل أو يضخم النزاع.

ومع ذلك، فإن خطر الفهم غير المكتمل يظهر بوضوح عندما يتم إصدار أحكام صحيحة في الشكل ولكنها معيبة في المضمون. يمكن أن يؤدي سوء فهم الحقائق أو القراءة الخاطئة للادعاءات إلى استنتاج يبدو عادلاً للوهلة الأولى ولكنه لا يصمد أمام التدقيق. وهنا تتضاعف تكلفة العدالة. تم إلغاء القرار، وأعيد النظر في النزاع، واستنفدت الثقة قبل الأوان.

ومن المهم التمييز بين المعرفة الرسمية والفهم القانوني. في حين أن المعرفة تعني فهم النصوص وحفظها، فإن الفهم يعني القدرة على تطبيق تلك النصوص بشكل صحيح على الحقائق المقدمة. غالبًا ما ينجم عدم إصدار الأحكام عن وجود فجوة بين موضوعين. معرفة النص ليست كافية؛ بل من الضروري فهم سياقه وحدود تطبيقه.

وعندما يتم تحليل عناصر الفهم، يبدو أن فهم الحقائق هو الحلقة الأضعف في كثير من الأحكام. إن الحقائق ليست مجرد سرد زمني، ولكنها أيضًا بنية دلالية يتم فيها تمييز الجوهري عن الهامشي والمؤثر عن العرضي. وتنعكس أي عيوب في هذا التمييز بشكل مباشر في التكيف المنهجي وبالتالي النتيجة.

ثم هناك مسألة فهم الدفوع والادعاءات، حيث يؤدي تجاهل دفاع رئيسي أو سوء فهم ادعاء معين إلى إضعاف القرار، حتى لو كان يؤثر على النتيجة النهائية. لا يُقاس القرار القضائي بالنتيجة التي يتوصل إليها فحسب، بل أيضًا بما يرد عليه وما يسكت عنه.

وهكذا تتضح العلاقة الوثيقة بين جودة الفهم وجودة الاستدلال. إن الحكم السليم ليس ترفًا لغويًا، بل هو نتيجة طبيعية للفهم العميق. وكل ضعف في الاستدلال، في أغلب الأحوال، يكشف عن خلل موجود مسبقاً في فهم الأفكار أو تنظيمها.

لكن جودة الفهم لا يمكن فصلها عن البيئة القضائية المحيطة. ضغط العمل وتراكم القضايا وضيق الوقت من العوامل التي تؤدي إلى التلخيص والتسرع في الفهم بدلاً من فهم الموضوع. ولذلك فإن أي مشروع لتحسين جودة القضاء يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تأثير هذه الضغوطات على عملية التفاهم.

وفي هذا السياق، لا يظهر دور تعليم الطب الشرعي كفحص للنصوص، بل كتكوين مهارات الفهم والتحليل والاستدلال. علاوة على ذلك، على الرغم من أن التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة مفيدة، إلا أنه ينبغي استخدامها لتعميق الفهم وعدم الاستعاضة عنها بإجراءات آلية.

ونتيجة لذلك فإن ثقة الجمهور في القضاء لا تعتمد على النتائج فحسب، بل وأيضاً على اعتقاد المدعي بأن قضيته مفهومة قبل اتخاذ القرار. ولذلك، فإن جودة الحكم تبدأ فعليًا بجودة الفهم. لأن القضاء هو الأساس الذي يقوم عليه العدل وتحفظ له هيبته.

Expert_55@

السابق
من هنا يمكن توزيع المنهج لجميع المواد
التالي
خطاب تهنئة بقدوم شهر رمضان المبارك 2026

اترك تعليقاً