
عبد القادر العبيد
في الأوقات الحرجة، عندما تعيد الجغرافيا تنظيم ذاكرتها، وحيث تختفي الروايات المصطنعة من المشهد تحت ضغط الواقع، لا يكون الصراع سياسيا فحسب، بل معرفيا أيضا. وفي لحظات التحول، تتحول الكلمة من أداة تفسير إلى أداة مساءلة، ومن ناقل محايد إلى اختبار أخلاقي شديد الحساسية. ما حدث بعد تحرير حيي الشيخ مقصود والأشرفية لم يكن حادثاً عسكرياً معزولاً، بل زلزال سردي ضرب البنية الإعلامية التي تحيط دائماً هذه الجغرافيا بطبقات كثيفة من التأويل والاختيار.
وفي هذا السياق، ظهر خبر مقابلة الرئيس الشرع مع قناة “شمس” الفضائية الكردية. لقاء لم يكن عادياً من حيث التوقيت أو النتائج، حصل في لحظة وحي، في لحظة تقاطعت الأسئلة المؤجلة مع حقائق على الأرض لم يعد من الممكن تجميلها. وتوقع الجمهور أن يكون هذا اللقاء بمثابة مساحة استماع، وليس بالضرورة مساحة إيمانية، لكنهم فوجئوا بصمت القناة، الذي سرعان ما تآكل بعده التبرير الفني، حتى ظهر لاحقا تفسير أوضح يفيد بأن اللقاء “لا يخدم الوحدة، بل يديم الانقسام”.
وهنا تجاوز الأمر الإطار الإجرائي ودخل في مجال أخطر وهو الفلسفة المهنية للصحافة. لم تعد القضية خللاً فنياً مؤقتاً، بل هي قرار تحريري واعي، قرار ينطوي على تصور أبوي لدى الجمهور وله دور توجيهي للإعلام يتجاوز حدود المهنة ويمس جوهرها. والهدف هنا ليس إعادة صياغة الأسئلة السياسية المتكررة. ومن أعطى هذه القناة حرية التصرف في ما يجب أن يسمعه الناس وما يجب أن يتم حظره؟ لماذا تم استبدال العذر الفني بتبرير قيمي؟ فمن هي القوى التي كانت تخشى نشر خطاب يمكن أن يضع جانباً الكثير من الروايات النمطية ويعيد تشكيل وعي الشارع الكردي بعد أحداث الشيخ مقصود والأشرفية؟ هذه كلها مهمة ولكن ليس موضوع هذه المقالة.
عندما يتم استبدال الوظيفة المعرفية للصحافة بوظيفة السيطرة الرمزية، ويتحول الإعلام من منصة كشف إلى أداة تصفية، فإن القضية الأعمق والأخطر هي أخلاقيات الممارسة الصحفية. في الأدبيات الأكاديمية، لا يتم تعريف الصحافة على أنها مهنة إعداد التقارير أو التحليل فحسب، بل كمجال عام لإنتاج المعلومات. ويعتبر مبدأ “الحق العام في المعرفة” حجر الزاوية في هذا المجال.
وهذا الحق ليس منحة مؤقتة، ولا هو امتياز مشروط بالوئام السياسي. بل هو حق مكتسب يسبق المؤسسة الإعلامية نفسها. إن انتهاك هذا الحق ليس خطأً مهنيًا فحسب، بل هو أيضًا فشل أخلاقي متأصل. والقول بأن بث الاجتماع قد يؤدي إلى الفرقة والتوحد ينطوي على الافتراض الخطير بأن جرعة الحقيقة هي عبء يجب السيطرة عليه، وأن الوعي الجمعي مادة يمكن توجيهها من فوق. وهذه ليست فلسفة صحفية، بل هي نهج دعائي مغلق يرى الرأي العام ككيان هش وحرية التعبير بمثابة تهديد محتمل.
في الصحافة الجادة، يُقاس المحتوى بالأهمية العامة، وليس بالنفعية السياسية. هل الاجتماع يستحق النشر؟ نعم. هل يحتوي على رسالة رسمية تستحق الاطلاع؟ نعم. وهل يهم شريحة كبيرة من المجتمع سواء الكردي أو القومي؟ لا شك.
عند هذه النقطة، ينتهي أي فقه قضائي ويبدأ حق الجمهور الحصري في المعرفة. إن حجب المادة بأكملها لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة هو تناقض واضح. لأن المصلحة العامة تتحقق بالشفافية وليس بالمنع. ولا تتم حمايتها عن طريق الإخفاء، بل عن طريق تمهيد الطريق للمناقشة الحرة. فالحقيقة، مهما كانت صادمة، أقل خطورة من الفجوة المعرفية، إذ سرعان ما تمتلئ هذه الفجوة بالإشاعات، والخطابات المفرطة، والتعليقات العدائية.
والأخطر من الانسداد نفسه أنه يكشف تحولاً في وظيفة الإعلام من سلطة رقابية تتحكم في الخطاب السياسي إلى أداة تشروط الوعي وتختار المناسب وتزيل الالتباس. وهنا تفقد الصحافة معناها وتتحول إلى ممارسة رمادية بين الإعلام والدعاية. لقد أثارت هذه الحادثة سؤالا جوهريا تم تجاهله لفترة طويلة. لصالح من يعمل الإعلام؟ من أجل السلطة السياسية؟ أم هو من أجل التوازن الحزبي؟ أم أن الجمهور هو صاحب الحق الفطري في الحصول على المعلومة؟ وفي لحظات الاستقرار يمكن تأجيل هذا السؤال. ولكن في لحظات التحول الكبير يصبح هذا مشكلة وجودية.
عندما تتخلى الصحافة عن شجاعتها الأخلاقية، فإنها لا تفقد مصداقيتها فحسب، بل تفقد أيضًا دورها التاريخي. وبغض النظر عن نواياه، فإن الإعلام الذي يخاف من الحقيقة يساهم في إدامة الوهم. وكما أظهرت التجارب، فإن الوهم لا يخلق الوحدة، بل يؤجل الانفجار.
ففي نهاية المطاف، لا تقاس احترافية المنظمات بما تنشره في الأيام العادية، بل بما تختار إخفاءه في اللحظات الحرجة. وهناك بالضبط تنكشف الأخلاق، وتطهر من كل شيء آخر.