
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
الرياض وبكين.. التاريخ محفور في الحجر, اليوم الأربعاء 14 يناير 2026 13:41
ويأتي هذا المعنى العميق إلى الواجهة من جديد اليوم، في جزء بسيط من محتوى الدورة الثالثة لمهرجان “بين الثقافتين”، الذي تنظمه وزارة الثقافة في مدينة الرياض في الفترة من 24 ديسمبر إلى 6 يناير 2026، وتستضيفه جمهورية الصين الشعبية، في احتفال ثقافي يتجاوز فكرة الأداء إلى إعادة قراءة الجذور الإنسانية المشتركة بين التعاون الثقافي السعودي الصيني والحضارتين العريقتين. العام هو 2025.
في جنوب المملكة العربية السعودية، كما في أعماق الجغرافيا الصينية، وقف الإنسان القديم أمام الصخرة ليس ليزين الصخر، بل ليوثق التاريخ من خلال بصمات الأيدي أو آثار الأقدام أو مشاهد الحيوانات والصيد المنحوتة في الصخر والرموز البدائية التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى؛ لكنها في الواقع هي المحاولة الأولى لفهم العالم والارتباط به.
وتتكرر نفس الفكرة في هيما وتيما في المملكة، وكذلك في منطقتي التبت ودونهوانغ في الصين: الإنسان يتكلم من خلال الحجر على مر الزمن.
والسؤال هنا: أي الحضارتين أقدم؟ انها ليست مسألة. بل كيف تشابهت الرغبة الإنسانية في التعبير منذ بداية التاريخ، وكيف التقى إنسان الجزيرة العربية بإنسان الجبل الصيني وكانت هناك نفس الحاجة إلى ترك بصمة تتجاوز عمره الفردي وإعطاء المجموعة ذكرى يعودون إليها؟ قبل أن يصبح الحجر بناء أو نقشا كان لغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة ولا تعرف حدودا.
ومن هذا المنطلق، قدم مهرجان «بين الثقافتين» قراءة ثقافية هادئة لهذا التراث ليس باعتباره ماضًا متقطعًا، بل باعتباره حاضرًا ممتدًا. لم تكن المواقع الأثرية والكهوف والنقوش بيئات طبيعية فحسب، بل كانت أيضًا أماكن للتأمل، حيث تُحكى الحكايات، وتُحكى القصص، وتتشكل أولى سمات الهوية.
وفي أماكن مهرجان «بين الثقافتين»، تتحول هذه الفكرة إلى تجربة حسية ومعرفية لا يقتصر فيها الزائر على مجرد رؤية اللوحات أو النماذج، بل يدعى إلى إعادة التفكير في سؤال الحضارة، سؤال هل تتقاطع الحضارات لأنها متشابهة، أم أنها تنطلق من نفس الأسئلة الإنسانية التي تتناول فكرة البقاء والذاكرة والمعنى.
وفي هذا السياق يقدم النصب الحجري ليس كشاهد صامت، بل كطرف في حوار طويل وحضاري، حوار لا يحتاج إلى كلام، فالحجر يفهم في نجران كما يفهم في شنشي الصينية. وهذا ما يعطي العناصر المشتركة بين الثقافتين السعودية والصينية قوتها. إنه يذكرنا بأن الثقافة هي في الأساس لغة إنسانية واحدة، كثيرة في أشكالها ولكنها تتقاطع في جذورها.
إن الاحتفال بالأثر الأول يعني فهم الماضي، وليس التمسك به. إن الحضارات الواثقة بعمقها لا تخشى المقارنة ولا تتردد في فتح أبواب الحوار، لأنها تعلم أن ما يمنحها القدرة على التجديد هو جذورها الصلبة. وهكذا برز مهرجان «بين الثقافتين» كمساحة تفاعلية وضعت الثقافة السعودية في سياقها العالمي وأعادت تقديمها كجزء فريد من التاريخ الإنساني المشترك.
ولذلك، يأخذ المهرجان زواره في رحلة ثقافية متكاملة، حيث يسلط الضوء على المعرض الفني السعودي الصيني المشترك، ويقدم تجربة “شارع الصين”، حيث يتم عرض الفنون والحرف اليدوية، فضلاً عن العروض الموسيقية والفعاليات التفاعلية التي تعكس القيم المشتركة مثل التراث والهوية.