اسأل بوكسنل

ثلاثية القوة والضعف والحكمة: قراءة في فلسفة البقاء

ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
ثلاثية القوة والضعف والحكمة: قراءة في فلسفة البقاء، اليوم الاثنين 12 يناير 2026 01:43

في ساحة الحياة والتغيرات في السياسة والمجتمع، لا يزال السؤال الأساسي يشغلنا: هل سينجو الأقوى أم سيكون الأذكى؟ يظن الكثير من الناس أن القوة والضعف شيئان متضادان لا يجتمعان، لكن التأمل في النفس البشرية وسبل التاريخ يبين لنا أن الحقيقة تكمن في المسافة التي تفصل بينهما وكيف يدير العقل هذين التناقضين.

فلسفة القوة والضعف: ما وراء التعريفات

تبدأ القوة في جوهرها بالقدرة على التأثير وإحداث التغيير، ولكنها ليست نمطًا واحدًا. وبينما يركز البعض على “القوة الصارمة” المتمثلة في المال والسلطة، يقترح الفيلسوف طه عبد الرحمن (2000) بعدا أعمق يتجاوز المادية. باعتبار أن ضبط النفس هو قمة الإتقان، فهو القوة المدعمة بالقيم الأخلاقية.

في المقابل، غالبًا ما يُساء فهم “الضعف” على أنه عجز محض، لكن سيكولوجية المظلوم التي تحليلها مصطفى حجازي (2013) تظهر أن الضعف، مع الوعي، يتحول إلى طاقة كامنة وقدرة هائلة على الصمود وامتصاص الصدمات، وهو ما يمكن أن نطلق عليه “حكمة الضعف”.

الحكمة والجنون: توازن العقل واختلال توازنه

إن “الحكمة” أو غيابها (الجنون) هي التي تحول السلطة إلى أداة بناءة أو هدامة. الحكمة هي القدرة على وضع الشيء في مكانه الصحيح وهي التوازن الأخلاقي قبل أن تكون مهارة عقلية. وفي هذا السياق، فإن الجنون ليس فقدان العقل بالمعنى الطبي، بل هو “جنون العظمة” وانفصال الذات عن الواقع الإنساني.

ويرى لطفي خضر (2017)، في دراسته عن سيكولوجية الاستبداد، أن القوة المطلقة تؤدي حتما إلى “جنون السلطة”، حيث تتضخم الأنا وتقضي على الآخر، مما يمكن صاحبها من أن يرى في قوته حصانته من القوانين الكونية، ومن هنا تبدأ رحلة الانهيار.

العلاقات: التفاعل السري

تنشأ علاقة تفاعلية معقدة بين هذه المفاهيم. الحكمة هي التي تعطي القوة “شرعيتها” ودوامها، وللضعف “سمعتها” وصبرها. إن أخطر ما تواجهه المجتمعات هو “جنون السلطة”. خليط حيث تتوفر الأدوات والبصيرة ليست كذلك. وبينما تبرز “حكمة الضعف” كخيار استراتيجي عندما يدرك المرء حدوده المادية، يلجأ المرء إلى المرونة والتعاطف والذكاء العاطفي للتغلب على العقبات، وهو ما يسميه عبد الوهاب المسيري (2002) “تجاوز المادية” نحو آفاق الإنسانية الواسعة.

النماذج التحليلية: ما هي الأقوى وأيها الأفضل؟

عند تحليل الواقع الإنساني نجد أنفسنا أمام ثلاثة نماذج رئيسية:

– النموذج الأضعف: وهو “الضعف المصحوب بالتهور” أو نموذج غياب الحكمة، حيث يفتقر الكائن إلى القوة فيتصرف بغطرسة غير مدروسة تؤدي إلى الانهيار.

– النموذج الأقوى: “القوة الموجهة بالحكمة”. كائن يملك الأسباب المادية ويوجهها بالوعي الأخلاقي والوعي بعواقبها.

النموذج الأمثل: تركيبة متوازنة تمتلك قوة التأثير ولكنها لا تنكر إنسانيتها وتواضعها. وهو النموذج الذي يدعو إليه علي الوردي (2005) الذي يؤكد على أن النضج يكمن في الاعتراف بالحقائق والموازنة بين المتناقضات.

النموذج السعودي وتوازن الإرادة

القوة التي لا تعترف بضعفهم هي قوة عمياء، والضعف الذي لا يطلب حكمته هو الذل المستسلم. النموذج المثالي هو من يمسك مقاليد السلطة بيد والحكمة باليد الأخرى. وهنا نجد مثالا حيا على هذا التوازن الفريد في القيادة السعودية المعاصرة. وفي «رؤية السعودية 2030» تجلت القوة في القرارات السيادية والاقتصادية الجريئة، بينما ظهرت الحكمة في التخطيط الاستراتيجي الدقيق والارتباط العميق باحتياجات المواطنين وتطلعاتهم. قدمت المملكة للعالم نموذجًا لـ “القوة العقلانية”. دولة لا تستعرض قوتها لمجرد السيطرة، بل تستخدم إمكاناتها لبناء مستقبل مستدام، مؤكدة أن عظمة الدول لا تكمن في قدرتها على فرض الإرادة فحسب، بل في قدرتها على تحويل هذه القوة إلى حكمة بناءة تفيد الشعوب وتحمي الأمم.

السابق
موقع ذكاء اصطناعي ‏لايستطيع ايقافه شيء
التالي
نقل وتكليف وكلاءات المدارس للعام الدراسي 1447هـ

اترك تعليقاً