
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
ثقافة التكيف والعقلية التجاوزية اليوم الخميس 8 يناير 2026 الساعة 12:45
يقدم لنا الإسلام نموذجًا عمليًا متكررًا للتكيف المنضبط؛ وهذا هو الوقوف للصلاة. صفوف مدمجة ومتساوية لا يتقدم فيها أحد على الآخر ولا مجال لحدوث الفوضى أو العشوائية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف تمام الصلاة”.
لقد سبق الإسلام كل الفلسفات الحديثة بربط النظام بالعبادة، فجعل النظام عبادة لا تنفصل عن المعنى ولا تقتصر على الشكل.
قال الله تعالى: “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والباطل”. في هذه الآية القرآنية، يعلمنا الإسلام كيفية ممارسة الانضباط من خلال تجنب التجاوزات الاجتماعية التي تضر الآخرين. ومن يفعل هذه الأمور يعيش في انفصال واضطراب داخلي وخلل في الوعي الجمعي بأن الصلاة ليست عبادة بل مجرد عادة.
الصلاة هي أعظم معلم واعتراف ضمني بأن العدالة تقوم على المساواة، وليس على الاحتيال. وأي محاولة لتجاوز الحدود، أو كسر النظام، أو تجاوز الدور، هي في جوهرها استيلاء على حقوق الآخرين.
وهناك من يتلبس ثياب الذكاء متنكراً بالحماقة وما يصاحبها من تعدي بحجة التسرع الذي في حقيقته تعدي واضح على حقوق الآخرين.
وهذا الخلل السلوكي لا ينفصل عن جذوره التربوية. احترام الدور لا يأتي فجأة؛ بل يتم تطويره في المنزل منذ الطفولة. وعندما يرى الطفل أن والديه يلتزمان بالنظام وينتظران دورهما ويحترمان الآخرين، فإن هذا السلوك يصبح تلقائياً عادة حقيقية وليس ممارسة أجنبية. ولكن عندما لا يكون هناك تلقين، ولا قدوة أبوية، ومكافأة للتحايل على النظام بدلاً من تحميله المسؤولية، فإننا ننشئ أجيالاً تنظر إلى الفوضى كمهارة، والتجاوزات كحق، والانضباط كضعف.
ويلاحظ أن نسبة ضئيلة فقط من الذين يمارسون الجنس غير الشرعي في مجتمعاتنا هم الأكثر إصرارا في الدول التي تفرض غرامات وعقوبات صارمة. وهذا يؤكد أن المشكلة لا تكمن في القدرة على الانضباط، بل في عدم وجود قناعة داخلية بهذا الشأن.
الانضباط السلوكي جيد؛ فهو يحمي الشرف، ويقلل الصراع، وينشر العدالة، ويزيد الثقة. ونحن كمسلمين نستحق ذلك أكثر لو فهمنا أن ما نقوم به في صلواتنا ليس مجرد وقوف، بل أمر يومي، واحترام الأدوار، وتقديم الآخر.
وفي هذا السياق يضعنا الإسلام أمام مبدأ أخلاقي صارم عندما يقول سيد الأخلاق: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”. فمن يخرج عن دوره فهو مجرد تعدي على حقوقه؟ ومن يشرع الفوضى لنفسه فهل يقبلها لو حدث له هذا؟
وهنا يجب أن نتأكد من أن الانضباط ليس قيدا على الحرية، بل هو شرط لنضجها. واحترام الدور ليس تنازلاً عن الحق، بل تأكيدًا له. هل انتهينا؟
@Yos123Omar