
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
الخرائط التي تتخذ القرارات – قوة البيانات الجغرافية في فهم حركة المدن اليوم الاثنين 5 يناير 2026 04:41
وفي المملكة، تقود الهيئة العامة للبحوث والمعلومات الجيومكانية (GEOSA) هذا التحول باعتبارها المرجع الوطني للخرائط والبنية التحتية الجيومكانية والمعايير المكانية الموحدة.
خريطة اليوم لا تصور المكان كما يبدو؛ بل يكشف “العلاقة” بين المكان والناس والسلوك والزمان. وهذا البعد العلائقي يجعله عنصرا حاسما في الخوارزمية القائمة على مبدأ “المنطق المكاني” لفهم ما يجري خلف المشهد المرئي. الخريطة الحديثة ليست صورة للمدينة، ولكنها قصة كاملة تدور أحداثها في منطقة حضرية معقدة.
وبدون هذا البعد المكاني، تصبح البيانات مبهمة، ويصعب تفسيرها، وتضعف القدرة على اتخاذ القرار.
لقد تغيرت وظيفة الخريطة بشكل جذري. في الماضي، كانت هذه وسيلة للتعرف على الاتجاهات. وهي اليوم أداة لفهم الذات الحضرية للمدينة. إن الاعتماد على الأرقام المجردة دون قراءة مكانية يشبه الطبيب الذي يحاول تشخيص مريض وعيناه مغمضتان. يسمع الأعراض لكنه لا يرى تدفق الدم أو المناطق التي تحتاج إلى عناية فورية.
وعندما نضيف البعد المكاني للبيانات، تبدأ المدينة برؤية جسمها الحضري كما هو، وليس كما يبدو.
وهذا ما يميز الخرائط الوطنية المجمعة التي تنشئها GEOSA؛ فهو يمنح كافة المؤسسات الحكومية لغة واحدة وصورة سيادية واحدة يستطيع كل طرف أن يبني عليها قراراته بثقة.
الخريطة تكشف ما لا تظهره الأرقام. وبينما قد تظهر البيانات أن عدد المركبات مستقر، فإن الخريطة تكشف أن 60 بالمائة من هذه المركبات تبقى في مسارين خلال ساعة الذروة، وأن هذين المسارين يقتربان من نقطة الانهيار. وفي حين أن التعداد قد يظهر أن الحي يتكون من 200 ألف شخص، فإن الخريطة تقول أن معظم السكان مرتبطون بمخرج واحد فقط، مما يجعل هذا المخرج “عقدة حضرية” يجب حلها قبل أن تصبح مشكلة مزمنة. وهنا تتحول الخريطة من أداة بحث إلى “مرآة للواقع”.
وفي المدن الكبرى، أصبحت البيانات الجغرافية أداة لقياس نبض المدينة. ويكشف عن: مسارات الحركة خلال الساعات العصيبة، ومراكز الجذب الاقتصادية، وأنماط استخدام الأراضي، وتوزيع الخدمات، وعلاقة السلوك البشري بالمكان والزمان. وعندما تجتمع هذه الطبقات تتحول إلى «سرد مكاني» يكشف القصة الداخلية للمدينة.
وفي المملكة، تتولى GEOSA مسؤولية دمج هذه الطبقات وضمان جودتها بحيث لا تصبح الخريطة الوطنية مجرد تمثيل مرئي بل مرجع موثوق لصناع القرار.
مع تطور المدن، لم تعد الخرائط ثابتة. المدينة كيان ديناميكي يتغير طوال الوقت، لذلك يجب أن تكون الخرائط “حية” ومتجددة باستمرار. في الهندسة الجيومكانية للحركة الحضرية، تظهر القيمة الحقيقية للخرائط عندما تجمع بين ثلاثة عناصر أساسية: المكان والزمان والسلوك. عندما تقرأ هذه العناصر معًا، يمكن للمدينة أن تقرر: أين ستبني؟ أين ستتدخل؟ أين يجب أن تحدث المشكلة قبل حدوثها؟
هنا تظهر قيمة المرجع الذي أنشأته GEOSA؛ وهذا ما يجعل الخريطة أداة قرار، وليس مجرد تمثيل مرئي. المدن الأكثر نجاحاً اليوم هي تلك التي تحولت خرائطها إلى منصات للتنبؤ. الخريطة الذكية لا تقرأ الماضي فحسب، بل تحاكي المستقبل أيضًا: الخرائط الحرارية، ونماذج الذروة، وخرائط المخاطر، ونماذج الحركة التنبؤية.
كل هذا يمنح المدينة فرصة لتغيير مصيرها قبل أن تتشكل. ولا يمكن تحقيق هذه القدرة إلا إذا كانت البيانات مركزية ودقيقة وسيادية، وهذا الدور تلعبه GEOSA على مستوى المملكة من خلال ضمان حصول المدن على “العين الجيومكانية” التي ترى المستقبل قبل ظهوره على الطرق.
وما يجعل تأثير الخرائط أكبر من الرسم هو مبدأ “العمارة السردية”. وتتحول البيانات إلى قصة مكانية تشرح المشكلة وتوضح أسبابها وتقترح الحل. ولا تقول الخريطة الذكية “هذا الطريق مزدحم” فحسب، بل تكشف أيضًا سبب وكيفية ارتباطه وما الذي سيحدث إذا تغيرت نقطة ما في المشهد.
عند هذه النقطة، تصبح البيانات الجغرافية “ضمير المدينة”. لا يتملق ولا يخفي ولا يتردد في تقديم الحقيقة كما هي. ولذلك فإن وجود مرجعية وطنية مثل GEOSA هو شرط أساسي لاتخاذ قرارات حضرية ناضجة وعادلة وقابلة للتطبيق.
ونتيجة لذلك، تتحول الخريطة من وثيقة فنية إلى منصة فعالة لاتخاذ القرار. إن المدينة التي ترى نفسها بشكل جيد تدير نفسها بشكل جيد، والمدينة التي تفهم مشاكلها في وقت مبكر يمكنها أن تنتج الحلول قبل أن تتفاقم. عند استخدامها ضمن نطاق النماذج التشغيلية المتقدمة، لا تصبح الخرائط مجرد أداة عرض بل مصنعًا للحلول.
وفي المقال القادم سنطرح سؤالاً مهماً جداً: ما هي الهندسة الفضائية؟ ولماذا هي العمود الفقري للحركة الحضرية الحديثة؟