
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
قسم فقه العزاء وآداب العزاء, اليوم الأحد 4 يناير 2026 01:53
التعزية ليست مجرد جملة منطوقة، بل هي شكل من أشكال عبادة المواساة التي تحول الرحمة إلى سلوك قبل التعبير، وفقه التعزية لا يقوم على “مراسم” بل على معايير واضحة، أهمها: رفع العار عن أهل الضحية، والحفاظ على طمأنينة البيئة، وعدم إرهاق القلوب وطمأنينتها.
بداية… كما يقول أغلب المحامين، الأفضل تقديم التعازي بعد الدفن، لأن أهل المتوفى مشغولون بالتحضيرات. وأجاز بعض الفقهاء تعجيل الدفن لتثبيت القلب وتهدئة الهموم، بشرط أن يكون مختصرا ولا يزعج أهل المجني عليه. وأما ما يتعلق بصلاة الجنازة، فهذا موضوع واسع جدًا. وأباح المذهب الشافعي تكرارها للمصلي “نافلة”، ومنعها مذهب الحنفية، ولم يعجب المذهب المالكي والحنابلة تكرارها. وكذا الأمر في مسألة “الجلوس في العزاء” بعد يوم الدفن. ولم يعجب ذلك المذاهب الحنفية والمذاهب الشافعية والمذاهب الحنبلية، لكن المذاهب المالكية أجازت ذلك. إن تحديد أيام الحداد هي معايير تنظيمية يضعها الناس، ولا يمكن الخلط بين أي مدينة وتقليد آخر، ولا يمكن لمجموعة أن تتبناها أخرى. ولعائلة المريض أن تختار ما هو الأسهل بالنسبة لهم؛ إن تمديد الوقت والأيام يمكن أن يحقق الهدف ويخفف الضيق؛ إن تضييق المدة الزمنية واقتصارها على أيام أقل من المعتاد يزيد من الضيق. وقول “لا عزاء بعد ثلاثة أيام” كما يقول البعض ليس صحيحا. لأن التعزية لا تقتصر على مدة تمنعها، ومن له عذر فله الأجر بالتعزية، وللمرأة حد ثلاثة أيام على غير زوجها.
ومن أهم قواعد آداب التعزية النص على أنه إذا كان طابور استقبال المعزين طويلا ومزدحما، فإن الوضع يتحول من “التعزية” إلى “الإرهاق”. إن مشاركة العشاق “البعيدين” في الصف أمر يستحق الثناء والإعجاب، ما لم يكن هناك “إنجاز رسمي”. وفي جميع الأحوال، يُعطى الترتيب العمري أولاً في الصف، وعلى كل من يريد المشاركة أن يأتي مبكراً، ولا يتأخر، ويطلب الإخلاص من الرب. ومن الأهمية بمكان أن ندرك أن التعازي ليست اختبارا لطقوس المصافحة أو وقت الوقوف؛ ويمكن للمعزي أن يضع يده على كتف المعزى أو يصافحه، ولكن عليه أن يقتصر على ما يناسب مكان الحزن ويتجنب “التقبيل” المستخدم في الأعراس. وكذلك بما أن التعزية هي مكان عزاء لا يفقد الأحوال، فلا ينبغي لمن يقدم التعزية أن ينشغل بالأحاديث والأسئلة، ولكي يجعل التعزية عادة يومية في أسلوبه وشكله، ينبغي الحذر من كراهية “الشرع”؛ وجاء في الحديث: “”التعزية مرة واحدة”.” ليس لأن الصداقة مكروهة، بل لأن المقصود يتحقق لأول مرة، ومن يستمتع بتكرار حضوره للخدمة والصداقة أفضل من تكرار “مشهد التعزية”.
وأخيراً… مسألة الغداء أو العشاء في الجنازة؛ وينبغي أن يكون الطعام إذا أمكن من غير إهدار للمال، ومن غير ثقل على أهل الميت، ومن غير تحويل الحداد إلى مناسبة للتسلية. الشيء الأكثر رفضًا هو تقسيم الجداول إلى فئات، أو منع الفئات منها؛ ومن أكثر البدائل فائدة هو تحويل تكلفة ذلك إلى منصات وحملات خيرية معتمدة أو أعمال خيرية جارية مثل قراءة القرآن ونشر العلم. وعلى كل حال، ينبغي أن يعلم الجميع أنه لا يؤخذ من التركة أي شيء يتعلق بالحداد سوى تجهيز الميت وسداد الديون دون وصية أو موافقة جميع الورثة. كما أنه ليس من المناسب تحويل أماكن العزاء إلى منابر للوعظ؛ فالموت في حد ذاته موعظة عميقة، وينبغي للطالب أن يكون مختصرا، لا يؤثر على سير الجنازة، أو يجبر على الاستماع. هناك أذان للصلاة في كل وقت.
وأختم بالقول إن التقاليد تتغير وليس هناك وحي مُنزل. وهي ضوابط إنسانية تهدف إلى تحقيق المنافع ودفع المفاسد. ولا يفهم ذلك إلا “العاقل” الذي يفهم معنى قاعدة “تتغير الفتوى بتغير العادات والتقاليد”. وإذا ورد ذلك في الفتوى فهو أولى وأهم في شؤون الدنيا.