اسأل بوكسنل

حين كتب العقل سيرة القلب

ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
أحمد أمين: عندما يكتب العقل سيرة القلب اليوم الخميس 1 يناير 2026 02:49

لم يكن أحمد أمين كاتبا في صفوف النهضة الحديثة فحسب، بل كان أيضا ضميرا فكريا يقظا يكتب بالحبر وكأنه ينسج خيوطا من نور تمتد بين العقل والروح. لقد جاء إلى الأدب كمسألة فكر، وإلى الفكر كمسألة أدب. لقد جمع بين دقة العالم وعطف الكاتب، وحكمة الرجل العجوز، ورقة الصبي الذي لا يزال يستمع إلى صوت التعجب بداخله.

ولد بالقاهرة عام 1886 ونشأ في بيت محافظ حيث تقاطع نور الدين ونور العلم. وقبل أن يفتح نافذته على الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، فتح أبوابه للقرآن واللغة والوعي الفقهي. عاش في فترة وجد فيها الوعي العربي طريقه بين العواصف، وكان من القلائل الذين حملوا مصباح العقل دون أن يطفئوا نار الإيمان.

كتب أحمد أمين «فيض الخاطر» ليملأنا بأفكاره التي تنعش القلب وتوقظ العقل، وكأن في كل سطر نافذة مفتوحة على فجر داخلي لا تغرب فيه الشمس. لقد كتب “حياتي” ليس فقط ليحدثنا عن نفسه، بل ليحدثنا أيضًا عن الشخص الذي يتعثر بين الظلال ويسير على طريق النور. سيرة صادقة، خالية من الزخرفة، تنبض بصدق التجربة وعمق التأمل.

وقد رسم في ثلاثيته الشهيرة “فجر الإسلام” و”ظاهر الإسلام” و”ظهيرة الإسلام” صورة بانورامية لنشوء الحضارة الإسلامية وتطورها وانحدارها اللاحق. لم يكتب هذا كمؤرخ صارم، بل كمن استعاد روعة الروح وأعاد قراءة العقل العربي في مرايا الزمن. وتميز في هذه الكتابات بالقدرة على مزج التحليل بالحدس والمعرفة بالتأمل، حتى أصبح المؤرخ فيلسوفاً، والفيلسوف قاصاً، وكان الراوي يعتقد أنه لا يعيش خارج فكر الأمة.

كان أحمد أمين كاتباً يكتب مؤلفات بطيئة. فهو لا يتعجل في إنضاج فكرته، بل يطورها كما يربي الأب ابنه: بالصبر والمنطق والرعاية. لقد عاش حياة متواضعة ولكن ذات معنى. وكأن كل بساطة فيه تخفي عمقًا، وكل صمت يخفي حوارًا طويلًا مع النفس والعالم.

لم يكتبها لإحداث ضجة، بل لرفع مستوى الوعي. كان مثل مصباح صامت في زاوية مكتبة قديمة؛ لم ينبعث منها ضوء، بل على العكس أضاءت. كان يعتقد أن الأدب ليس زخرفة الكلمات، بل سلامة الفكر. ولهذا ترى في كتاباته أنه زرع الحقيقة في تربة العظمة وسقاها من نهر اللغة النقية، فلا تخرج كلمة من قلمه إلا وغسلها بالعقل والصدق.

ورأى أن الإسلام العقل قبل العادة، والروح قبل الشعار، وأن نهضتنا لن تخلو من المعرفة المنيرة، وتنقية الأخلاق، وتنقية اللذة. وقد صاغ مشروعه التربوي والثقافي على هذا النحو، وكان يهدف في كتبه التربوية مثل “قاموس العادات والأعراف المصرية” و”الإرشاد الأدبي” إلى تربية العقل كما القلب، وأن يجعل المدرسة امتدادا للبيت والبيت امتدادا للضمير.

رحل أحمد أمين بصمت مشرف، كما عاش. لم يترك وراءه ثروة ولا هيبة، بل ترك وراءه سيرة تشبه الشموع المشتعلة ستعلمنا عن غنى الضمير المستنير وكيف يشرق الإنسان من الداخل.

في صفحات “حياتي” نقرأ سيرة أمة تبحث عن الوعي، ونقرأ صوت المصلح في صمته الطويل، الذي آمن أن الكلمة الصادقة قد تغير أشياء أكثر من السيف.

قال أحمد أمين:
عقل عربي نبيل كتب سيرة القلب بلغة العقل وحوّل فكره إلى جسر تمر عبره الأنوار من الأمس إلى الغد.

السابق
مراجعة مهمة للاختبار المركزي لمادة العلوم الصف السادس الابتدائي الفصل الدراسي الأول ١٤٤٧
التالي
نموذج ٥ اختبار مركزي لغتي مع الحل الصف الرابع الابتدائي الفصل الدراسي الاول ١٤٤٧هـ

اترك تعليقاً