
ونقدم لزوارنا أهم وأحدث الأخبار في مقالتنا أدناه:
متلازمة كودوكوشي وغياب منهجية كايزن اليوم الخميس 18 ديسمبر 2025 03:57
وفي اليابان التي تعتبر نموذجا عالميا في النظام والتكنولوجيا وجودة الحياة وهي منبع منهجية التحسين المستمر “كايزن”، هناك متلازمة تسمى كودوكوشي لدى كبار السن وتعني “الموت وحيدا”. وأغلبها حالات وفاة لكبار السن، ويذكر أنه بعد أيام، وربما أسابيع، تشتم روائح كريهة تنبعث من المكان الذي يعيشون فيه. هذه المفارقة بين التقدم المادي والتقني والفقر العاطفي والاجتماعي تجبرنا على التوقف والتفكير.
ظهر هذا المصطلح لأول مرة في اليابان في ستينيات القرن الماضي، لكنه أصبح ظاهرة بسبب عدة عوامل، بما في ذلك تزايد نسبة كبار السن، الذين يشكلون الآن 30% من السكان فوق سن 65 عامًا، وانتقال أفراد الأسرة الواحدة إلى المدن الصناعية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن الثقافة اليابانية تميل إلى عدم الإساءة للآخرين؛ وقد أدى ذلك إلى استمرار العزلة، مما ساهم في اتساع فجوة التواصل الاجتماعي بين كبار السن والذين يهاجرون بحثا عن العمل أو التعليم، مما يؤدي إلى الانفصال الاجتماعي.
تشير تقارير الشرطة والشركات المتخصصة في تنظيف وتعقيم منازل الموتى بعد اكتشاف جثثهم المتحللة، إلى حدوث آلاف الحالات كل عام، مسجلة في صورة حزينة لشيخوخة غير مدعومة وحياة تنتهي بهدوء في مجتمع سريع الخطى ولكنه منعزل، ناجح ولكن منفصل، متقدم تكنولوجيا لكنه متخلف عاطفيا.
في رأيي أن جذور المشكلة تكمن في فكرة أن الفردية وزيادة الاستقلالية تقلل من فرص الارتباط، وفي فكرة الزواج باعتباره يمثل معايير الحب والمودة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد على الخدمات الرقمية بدلاً من العلاقات الإنسانية يعد أيضاً من العوامل التي تساعد على انتشار هذه الظاهرة. وفي المقابل، لا يوجد ما يشير إلى تطور مستدام ومتزايد أو تطور عاطفي في المجتمع الياباني مقارنة بما نشاهده في المجتمعات الإنسانية الرحيمة التي تكرم كبار السن وتحسن رعايتهم وتراقب أحوالهم وتعاملهم بلطف وتضع أطراً واضحة تعزز أواصر القربى بين الإخوة والأخوات والأقارب. ويرى الجيران أن ذلك تقدم أخلاقي ملزم وأمر إلهي.
إن مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولله الحمد، ترى أن الأجداد والجدات وشيوخ الأسرة، على اختلاف أصنافهم وثقافاتهم، يمثلون النسيج الأسري الممتد، ومصدرا للخبرة والرحمة، ومصدرا للثقة، في ظل مادية وانقسام المجتمعات شرقا وغربا.
هناك دراسات نفسية واجتماعية حديثة، عربية وأجنبية، أظهرت أن التواصل الأسري والاجتماعي يقلل من خطر الإصابة بالاكتئاب لدى كبار السن، ويساعد على تحسين صحتهم الجسدية والنفسية والمزاجية، ويجعلهم يشعرون بالانتماء ويمنحهم الدافع للاستمرار والاطمئنان، على عكس ما يعيشه المصابون بمتلازمة كودوكوشي.
هذه المتلازمة ليست مجرد مشكلة اجتماعية في اليابان، بل هي تحذير عالمي يكشف الخطر الوشيك لأولئك الذين يفضلون العزلة، ويبحثون عن السلام والتأمل وحياة هادئة خالية من المسؤولية والانزعاج بحجة جمع المال، ومع مرور الوقت يفقدون الروابط التي تعطي للحياة المعنى الحقيقي.
إن رعاية كبار السن ليست مجرد واجب إنساني، بل هي مؤشر ثقافي على تقدم المجتمعات وقدرتها على تأسيس حياة متوازنة حيث القيمة تأتي قبل التكنولوجيا.
@Yos123Omar